تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"في رحيل الوالدة"

بعد مدة، عاد "الجوال" من غيبته...عند مداخل القرية، صادفه راعي أغنام، فاستعجله: "غبت لتبحث عن رزقك في الدنيا، لكنك لم تدرك أنه ضاع في غفلة منك"...استغرب الرجل وسأل:"كيف؟ ماذا وقع في غيبتي؟"...صمت الراعي، فأردف الجوال دون أن يفكر: "هل رحلت الوالدة دون أن تنتظر عودتي؟"...أجابه الراعي: "نعم...انتظرتك طويلا ولم تأت"...حالي اليوم هو من حال هذا الرجل الجوال...لكنني لم أغب كثيرا، ولم ألتق أحدا...رنة هاتف عابرة من شقيقتي، دقائق فقط على آذان فجر يوم الجمعة 24 فبراير، كانت كافية لتهزني وتجعلني أدور حول نفسي كما يدور الطائر الذبيح: " السي يحيى، مي ماتت"... تأكدت أنا الآخر، كما الجوال تماما، أن رزقي من الدنيا قد انقضى وضاع، وأن الدعوة التي كانت تغمرني بها، انقطعت إلى غير رجعة: "راني مفرشاك بالرضى ومغطياك بالرضى"...لم تكن تناديني باسمي...كانت تناديني ب"المرضي"، حتى طغت، في التداول بين الناس، صفة التسمية على منطوق الإسم ...من تقدير رب العالمين أن يجاور قبرها قبر الوالد، مع أنه رحل قبلها بأكثر من 20 سنة...فيتجاور في اللحد، مؤنس الروح في الوحشة، من تحابا في الدنيا وعاشا لأكثر من خمسين سنة مودة وإحسانا... عندما كنت أودعها وقد استوت بمأواها، أزحت الإزار عن وجهها واستعطفتها ألا تنساني...كنت متأكدا أنها سمعتني وتوسطت لرجائي لدى الوجه الكريم...ستتشفع لي بكل تأكيد، حتى وهي تعلم أن شفاعة الحبيب المصطفى تكفيها وتكفيني... برحيل الحاجة زهرة، هكذا كنت أناديها، أشعر كما لو أنني دخلت عالما من الضياع والتيه والغربة...أشعر بالقنوط يتملكني، وبالظلام يتلبس بي، لأنها كانت النور الذي أبصر به، والشعرة التي تشدني للدنيا، تضمني فتحميني من كروب الدنيا وبطش بني البشر ...أنا هنا لا أؤبنها فقط كي أدعو لها وأترحم ...ولكن أيضا لأبوح لها وأقر: أنا أيضا راض عن نفسي معك، تماما كما أنا راض عنها مع الوالد...رضا من ذات اليمين ورضا من ذات الشمال..."شكون فحالي"... رحمها الله تعالى وأحسن إليها...وجعلها زهرة عطرة بقبرها، كما كانت زهرة عطرة بدنياها...ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم...

نص التدوينة التي كتبتها في 27 فبراير 2023، ثلاثة أيام فقط على انتقال الوالدة إلى جوار ربها...

يمكنكم مشاركة هذا المقال