أن يطبع المرء مع الفساد ليس معناه أن يستسلم له ويسلم له الأمر فحسب. وليس معناه أن يقبل به ويرضاه، وينساق للعمل في ظله وتحت جناحه، فحسب. هو بعض من هذا وبعض من ذاك. لكن التطبيع مع الفساد هو أيضا توافر القابلية لدى الأفراد والجماعات لجعله "أمر طبيعيا"، لا يستقيم البنيان ولا العمران بانتفائه.
هو حالة نفسية بامتياز، قد تبدأ جدلا بالمناهضة المحتشمة، ثم بالتنديد المضمر، ثم بالقبول التدريجي وإن على مضض، وتنتهي حتما بالقبول التام، أي بالتسليم بالأمر باعتباره واقعا لا يعلى عليه. القابلية هنا صيرورة، تستوجب الإعداد والتهييء، وتفترض آليات خشنة وناعمة تشتغل على القيم المشتركة لتفجيرها من الداخل، وتطويعها كي تتساوق مع "قيم الفساد" وتتماهى مع خطابه.
التطبيع مع الفساد عملية مركبة، لأنها لا تكتفي بغرس قيم هجينة مكان القيم المقبولة اجتماعيا وثقافيا، والمتواترة أخلاقيا، بل تراهن على تقويض أسس مبدأ "الحق والواجب"، لتضع مكانه وعوضا عنه، "مبادئ جديدة" تختلط على المرء في ظلها مقاييس الحق والواجب في ارتباطهما وفي توازنهما وفي توازيهما.
إنها تعمل على تمييع ذات المبدأ، على تبخيسه وعلى الدفع بعدم جدواه في تدافع الناس فيما بينها، فتغلب الواجب على الحق، حتى يحتار المرء في تحديد ماهية الحق نفسه، فيتبرم عنه حتى يضيع من بين يديه. الكل مطالب إذن بالانصياع للواجب، ما دام لا شيء يقابله أو يؤسس لسلطة تردعه أو توازنه أو تحد من اندفاعه.
ثم إن التطبيع مع الفساد هو عملية مستمرة في الزمن، متموجة لكنها ثابتة. ولذلك، فإن الثاوين خلفه أو الدافعين به، إنما يراهنون على هذا الأخير كي يتمدد التطبيع إياه ويصبح من الشأن الجاري العادي والمقبول، أي كي يصبح هو الركن المادي الذي ينهض به ويضمن له مسالك الانتشار.
الفساد منظومة قائمة. لها مؤسسين ومنظرين وفقهاء. ولها مجتهدين ومؤولين. ولها فضلا عن كل ذلك، من يدفع بها كي تصبح شرعية ومشروعة. التطبيع في هذه الحالة لا يكون فقط مع الفساد. يكون مع المنظومة أيضا. أي مع خطابها وسلوكها وممارساتها.
وبقدر ما لا يراد لثنائية الحق والواجب أن تسود، فإن منطق التطبيع مع الفساد لا يرتضي أيضا أن تقترن المسؤولية بالمحاسبة. وهو أمر يمكن فهمه، لأن المنظومة لا تضع على رأس المسؤولية إلا من هم جزءا منها، أو يدورون في فلكها أو يكون التطبيع قد تمكن منهم وفعل فعله فيهم.
ربط المسؤولية بالمحاسبة ليست طرحا قانونيا صرفا، يتم بمقتضاه إعمال مبدأ التداول على المسؤولية، بناء على الكفاءة والنزاهة ونظافة اليد. ولا هو من باب الاحتراز دون تحول المسؤول إلى مصدر تسلط وشطط. ربط المسؤولية بالمحاسبة هو ربط أخلاقي أيضا، إذ بمقتضاه تصان الأمانة ويتم حفظ المال العام ويتم التجاوز على التسيب واللامبالاة.
الذين يدفعون ب"حتمية" التطبيع مع الفساد، بسلوك متعمد أو بانتفاء للمناعة من بين ظهرانيهم، ولقيم الشفافية والنزاهة من إدراكاتهم، هم أنفسهم من يدفع بألا يتم إعمال الربط بين المسؤولية والمحاسبة، وألا يتم الاحتكام إلى ثنائية الحق والواجب. هم أنفسهم من يفسح في المجال واسعا، كي تسود "القيم الجديدة" وتتسيد، في أفق التطبيع النهائي معها، بعدما يتم تحريف المعايير والتمثلات، وقلب المعادلات.
بالآن ذاته، فهم لا يتوانوا كذلك في مصادرة المستوى القضائي، باعتباره المؤتمن على كل هذه المستويات. إنهم يوظفونه ويبخسون أحكامه ولا يقبلوا بأن يفلت من أيديهم. إنه جزء من التطبيع أيضا، لا بل لربما هو الذي يسنده ويشرعن له بالنص المباشر أو بالتأويل المبالغ فيه.
لو حاولنا إعمال ما سبق من كلام على حالة المغرب، لما عدمنا الحالات. يبدو هنا أن سحب الحكومة لمشروع قانون الإثراء غير المشروع مثلا، هو المؤشر الأكبر على تبني الدولة لسلوكات الاغتناء دون وجه حق، من الصفقات العمومية، من السطو على المال العام، من تهريب الأموال للخارج ومن الترامي على الملك العام.
أما مسألة الإفلات من العقاب، فحالاتها عدة، إذ غالبا ما يتم الاستغناء عن "المسؤول" المدان أو الذي يكون مكمن شبهات فساد، دونما متابعة قضائية، فما بالك محاسبته على ما قدمت يداه أو ما أخرت. ولعل الدليل الأوضح في ذلك ما جرى من مدة بعيدة، في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أو في طرق تدبير البرنامج الاستعجالي في التعليم، دع عنك ما وقفت عنده لجان التحقيق في مشاريع المنارة بشمال المغرب وببعض من جهاته الأخرى.
القضاء في الحالات مجتمعة لا يتحرك. يراد له ألا يتحرك، وإن تحرك فبمقدار، واعتبارا لموازين ما هو فاسد أو ما عقدت النية على إفساده.
التطبيع مع الفساد آلة حادة، تقضم كل ما تصادفه أو تشتم من خطابه أو من سلوكه، رائحة الممانعة أو النية على إفساد ما يتم الترتيب له على نار هادئة. لم يسلم من الآلة إياها لا أحزابا ولا نقابات ولا جمعيات مجتمع مدني ولا إعلام ولا شخصيات تدعي الاستقلالية. أما من بقي في نفسه بعض من تمنع، وإذا لم ينفع معه الترغيب، فلا سبيل غير إعمال الترهيب المباشر، أو ممارسة التضييق عليه حتى يستسلم أو يتوارى... أعني يتوارى في انتظار الذي قد يأتي وقد لا يأتي...
نافذة "رأي في الشأن الجاري"
09 يناير 2023