تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"السوق وفعل الارتشاء"

الرشوة ليست ظاهرة اجتماعية أو أخلاقية فقط. إنها ظاهرة اقتصادية أيضا. ولما كانت كذلك، فهي تحتكم إلى سوق مكتمل الأركان، فيه من يعرض الرشوة، وفيه من يطلبها، جهة راشية وجهة مرتشية. هم الفاعلون ب"السوق"، فيما مادة الرشوة هي "السلعة" المقدمة نفسها.

هو سوق يشترك فيه العام والخاص، من زاوية العرض كما من زاوية الطلب، فتتقاطع الحالات بأشكال شتى، حتى بغلبة الطلب الخاص على الطلب العام، أي الحالة التي يكون العارض عاما وصاحب الطلب من القطاع الخاص.

لا ينشأ فعل الارتشاء من فراغ، ولا يمكن وصفه كذلك إلا إذا ترتب عن حالات ثلاث:

°- أولا، أن يكون هذا الفعل مناقضا ومنافيا لاعتبارات المصلحة العامة، ليس فقط من الزاوية الأخلاقية الصرفة، بل أيضا بالنظر إلى مدى قدرته على زعزعة لمرتكزات التي تقوم عليها المصلحة العامة ذاتها.

°- ثانيا، أن ينظر إليه الناس باعتباره كذلك، أي باعتباره فعلا يطال التمثلات الأخلاقية لهم، لكنه يطال في الآن نفسه مسألة المشروعية والشرعية التي يشترطها مبدأ الحق والواجب.

°- ثالثا، أن يكون فعلا منافيا للقانون، أو لما توافق الناس على اعتباره مستوى الحكم والتحكيم.

بالحالات مجتمعة، ومن المنطلق الاقتصادي الخالص، فإن فعل الرشوة لا يتغير. إنه يبقى متأتيا من قدرة شخص ما على تغيير بنيات الحقوق لفائدة طرف ثالث، نظير تحصيل امتياز شخصي، ماديا كان أو عينيا أو ما سواه.

يعتبر الاقتصاديون أنه عندما يتم فعل الإرشاء بمقابل عيني مباشر، فإن ذلك إنما يقوم بغرض إخفاء معالم الفعل نفسه، إذ يعمد إلى إتمام هذا الأخير بصيغة المقايضة المباشرة، حتى وإن كانت قابلة بدورها لأن تخضع للتقييم المادي الملموس.

يبدو الأمر هنا كما لو أننا حقا بإزاء ما يسمى ب"السوق السوداء للملكية"، حيث تنتقل هذه الأخيرة من يد إلى يد، غير آبهة بما تستوجبه الشرعية أو تفترضه لوائح القانون.

ويبدو الأمر أيضا كما لو أن التبادل بين الطرفين هو تبادل طوعي بين جهة (شخصا أو مؤسسة) مالكة للمعلومة ولديها مفاتيح القرار، وبين جهة أخرى لا سبيل لها للحصول على المعلومة إياها إلا بتقديم مقابل.

ليس القصد بالمعلومة هنا تسريب هذا المعطى أو ذاك، لتزكية طرف على طرف. القصد هنا أيضا هو تلك السلطة الرمزية التي تكون للمرتشي على الراشي، وإلا فدونها تتعطل "مصالح" هذا الأخير، وقد تضيع بجريرة سوء تقدير أو تردد أو تحفظ محتمل.

لا يقتصر الأمر، بهذه الجزئية، على طوعية التبادل، بل يتعداه إلى مطلب التسليم به والقبول بمفرداته، حتى بتوافر العلم القبلي أن الفعل إياه، إنما هو فعل غير شرعي وغير قانوني، وغير مرخص به من لدن السلطة القائمة في تراتبيتها وتدرج هياكلها ومستوياتها.

عندما يتم التبادل الطوعي بين الطرفين، فمعنى ذلك أنهما معا راضيان، فيكونا بالتالي في وضعية ما يسميه عالم الاقتصاد باروطو بوضعية "الرفاه الجماعي"، حيث لا أحد يتكبد الخسارة، فيما لا يقل عدد المستفيدين عن واحد على الأقل. وبما أن الأمر طوعي، فلا أثر هنا نظريا لمصادرة أو لتهديد أو لإعمال عنف، حتى وإن كان جانب الابتزاز غير مستبعد.

إذا تجاوز الأمر ذلك، فمعناه أننا سنكون بإزاء وضعيات صراع لا مصلحة لأحد فيها، ولا فائدة من منطلق باروطو، إذ سيربح طرف ويخسر طرف آخر، وقد يخسران معا وبالآن ذاته.

لذلك، لا تتردد النظريات الاقتصادية للرشوة في اعتبار هذه الأخيرة، الصيغة "الألطف" لتدبير الصراع، حتى وإن كانت صيغة غير شرعية وغير قانونية. إذ إن طالب الرشوة (المرتشي) هو الذي يتحكم في المعلومات الخاصة والسرية، وهو الذي من صلاحياته اتخاذ القرار، أو دفع الجهة المعنية إلى اتخاذه، عوضا عنه أو باسمه أو بالإحالة عليه.

أما عارض الرشوة، فهو الذي يحتكم على القابلية لتنفيذ الفعل الذي بموجبه سيحصل على المصلحة. توصف هذه الحالة ب"الاحتكار الثنائي" (راشي ومرتشي)، حتى بوجود حالات عديدة تحيل على تنظيمات السوق المعهودة، وعلى عدد ووزن المتدخلين.

ومع ذلك، فإن الحالة القصوى والسائدة بهذا السوق كما بذاك، إنما تلك الحالة التي تكون فيها الدولة هي المستوى الذي بيده سلطة تغيير بنيات الملكية، لا سيما وأن المال العام هنا هو المعني وهو المراهن عليه.

ليس من المبالغة القول هنا بأن فعل الإرشاء إنما هو المرض الأكبر بعد مرض التسلط، لدرجة أن تاريخ الرشوة غالبا ما يؤرخ له بتطور الدولة وتحولاتها، إذ يكفي أن نلاحظ مثلا، حجم ما يتم تفويته للقطاع الخاص من أملاك عمومية، ليتبين حجم الرشوة المترتب عنه، المصاحب له أو الملازم لتموجاته.

يقال إن الموظفين السامين ينهلون من المال العام كيفما يشاؤون، لا بل لا يترددون في تهريبه للخارج إن فاض أو احتاج للأمان. إلا أن الاقتصاديين يعتبرون مع ذلك أن سلوكهم هذا إنما يتم وفقا للقانون، عكس الرشوة المباشرة التي تعتبر من مضمار السوق السوداء.

بالمقابل، فثمة من الاقتصاديين أيضا من يربط "اقتصاديات الرشوة" بنظريات الريع، فيرى أن المرتشي غالبا ما يتماهى مع وضعيات الاحتكار بالسوق، فلا يتردد في وضع عراقيل للولوج عالية، إن تبين له أن للمنافسة المحتملة وقع سلبي على موقعه، أو على ما يتحصل عليه نظير التواطؤ أو التحالف أو الانصهار.

يبدو الأمر في هذه الحالة، مجرد انتقال تلقائي للموارد من المحتكر للسوق إلى الموظف المرتشي. للأول التصرف في سوق مصادر، وللثاني ريع ذلك ومورده.

هذا في الإطار العام لسوق الرشوة. لو أعملنا ما سبق لفهم سياق هذا السوق بدول العالم الثالث، والمغرب ضمنها حتما، لتبين لنا التالي:

°- الأول، أن التبادل بين الراشي والمرتشي غالبا ما يتم اعتباره ضمن الأنشطة غير الشرعية وغير القانونية. لذلك، فإن القانون غالبا ما يتعامل معها باعتبارها جريمة تستوجب العقاب قطعا. بيد أن القوانين في هذه الحالة، إنما تتعامل مع سوق الرشوة باعتباره إفرازا لسلوك فردي معزول، فتزيح عنه بالتالي البعد الاجتماعي والثقافي والأخلاقي، الملازم له والمستوجب للاستئصال.

°- ثانيا، كل ما يتم باسم محاربة الرشوة يتم من منطلق خفض تكلفتها، وليس القضاء عليها. إذ ثمة من يرى أن في "رواجها" فائدة اقتصادية ما، قد يتجاوز المرء من خلالها عراقيل البيروقراطية أو إكراهات الانتماء السياسي، أو ضعف القدرة الشرائية لدى شريحة من المواطنين أو ما سوى ذلك.

يذهب الأمر بالبعض حد اعتبار فعل الإرشاء استثمارا في حد ذاته، لا بل استثمارا سريع المردودية، مضمون النتائج، لا يختلف عن باقي أشكال الاستثمار في شيء، لا من منطلق المجازفة، ولا من زاوية البحث عن سبل في التربح.

وهو طرح يغري الكثيرين دون شك. إذ من يلاحظ حجم ما وقع استثماره في الانتخابات الأخيرة بالمغرب، انتخابات 8 شتنبر من العام 2021، يفهم جيدا أن الاستثمار ليس دائما رديف مغامرة أو  عنوان مقامرة. على العكس من ذلك تماما، إذ قد يكون خلف هامش في الربح أكبر بكثير مما عهدناه في نظريات الاستثمار الاقتصادية.

يمكنكم مشاركة هذا المقال