تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"شطط الوضعيات الاحتكارية"

يستقيم الحديث عما نسميه هنا بشطط الوضعيات الاحتكارية، عندما يعمد فاعل ما في السوق، إلى تبني سلوك يكون من شأنه إزاحة منافس، أو ممارسة الإكراه عليه، أو ابتزازه، أو الحيلولة دون بلوغه السوق، أو الاستمرار في التواجد من بين ظهرانيه.

هي ممارسة، العيب فيها لا يتمثل فقط في إبعاد المنافسين من السوق، بل في إفساد منطق المنافسة باعتبارها معيار السوق الأسمى ومحدد توجهاته "الطبيعية".

الشطط في استعمال الوضعية الاحتكارية لا يحيل على الوضع بالسوق فحسب، بل يحيل أيضا على الاستغلال التعسفي لوضعية هي إلى الهيمنة المطلقة أقرب منها إلى الاستحواذ الطوعي عبر التحالفات أو التواطؤات أو الاتفاقات المضمرة. إذ بقدر الضرر المتأتي من الوضعية الاحتكارية السائدة تتضرر المنافسة، بما فيها حالات المنافسة التي قد تنشأ، أو يتطلع البعض للاشتغال في ظلها وضمن مبادئها في التباري الحر.

هي وضعية تتواطأ في ظلها الاحتكارات الكبرى فتنسق، وقد تندمج أفقيا أو عموديا، حتى يصبح لديها من السلطة (سلطة السوق) ما لا سبيل معها لأية نية أو عزم على النفاذ للسوق أو الفعل فيه.

الشطط في استعمال الوضعية الاحتكارية قد يجد تعبيره هنا في وضعية الهيمنة التي قد تقوم بالسوق. وقد تتجسد عن طريق الاستغلال القسري لهذه الوضعية، أو بشتى أشكال الممارسات التي تفسد أو قد تفسد المنافسة.

ووضعية الهيمنة المقصودة في هذا المقام إنما هي "وضعية القوة الاقتصادية التي تحتكم عليها مقاولة ما، والتي تمنحها سلطة الاعتراض على قيام واستمرار المنافسة الفعلية في إطار سوق ما. هي وضعية تعطي المقاولة إياها إمكانية اعتماد سلوكات استغلالية قياسا إلى منافسيها، أو زبنائها، أو عامة المستهلكين".

ولذلك، فإن مجرد الاحتكام إلى معيار "الحصة من السوق" لفاعل ما، لا يمكنه أن ينبئنا بوجوده في وضعية هيمنة حقيقية. بيد أنه لو كان لهذا الفاعل سبق تكنولوجي في مجال ما، يفسح له في المجال كي يرفع الأسعار دون الخشية من تهاوي منسوب الإقبال على سلعه وخدماته، فإن الفاعل إياه إنما يكون في وضعية هيمنة دون منازع. وعليه، فإن مستجدا تكنولوجيا ما، قد يرفع من مقام مالكه، ويبوئه مرتبة وضعية احتكارية تمنحه كل سبل الهيمنة على السوق، أو على الجيب الاقتصادي المعني مباشرة بالمستجد.

يقاس الأمر أيضا في حالات عديدة أخرى، لعل إحداها تحكم فاعل ما في "ماركات" لها سمعة كبيرة لدى المستهلكين، لدرجة يتعذر على الموزعين معها التبرم أو الاستغناء، فنكون هنا أيضا بإزاء وضعية احتكارية مصحوبة بهيمنة.

بيد أن الحالة القصوى للوضعية الاحتكارية، إنما هي بدون منازع حالة الاحتكار المطلق. وهي حالة قد لا تقتصر على فاعل ولج السوق بمستجد تكنولوجي يمنحه السبق، بل قد تتأتى أيضا من الصعوبة التي تواجه باقي الفاعلين المتطلعين لولوج السوق، لكن الحواجز القانونية أو السياسية قد تحول دون بلوغهم المراد.

الاحتكار المطلق الذي نتحدث فيه هنا ونقصده، إنما الاحتكار الطبيعي الذي كان سائدا ولعهود طويلة، بقطاعات شبكية عدة، عاش طيلتها في ظل فاعل واحد في وضعية احتكار، ثم في وضعية هيمنة على جل مفاصل السوق.

ومع أن هذا الاحتكار الطبيعي قد تراجع كثيرا، فإنه أورث مع ذلك وضعية الهيمنة للفاعل الذي خلفه. والمثال على ذلك أن رفع الاحتكار المطلق عن قطاع الاتصالات أو السكك الحديدية أو الماء والكهرباء مثلا وبمعظم بلدان العالم، قد فسح في المجال واسعا للمنافسة، لكن ذلك لم ينل كثيرا من الوضعية الاحتكارية للفاعل التاريخي، حتى وإن بات فاعلا بالسوق ضمن باقي الفاعلين الجدد.

فالقطاعات الشبكية التي تمت خوصصتها وتحرير أسواقها، منذ بداية تسعينات القرن الماضي، لم تفقد وضعياتها الاحتكارية حتى وإن فقدت خاصية الاحتكار، لا بل إننا كنا بحالات عدة بإزاء انتقال من الوضعيات الاحتكارية العامة، لفائدة وضعيات هيمنة يثوي خلفها خواص لا يبدو من سلوكهم الاحتكاري أنهم مختلفون عمن سبقهم: ارتهان عمليات البيع، فرض شروط تمييزية، فسخ العقود مع الوكلاء والزبناء، بدعوى عدم التزامهم بشروط تجارية قد تكون في غالبيتها مجحفة أو تعجيزية...الخ.

بالعديد من التجارب الدولية، يعمد في هذه الحالات إلى إقحام المستويات القضائية لفض النزاعات. لذلك تنوعت الاجتهادات في هذا الباب، حتى بات السلوك التعسفي لفاعل في وضعية هيمنة، لا يقاس فقط بوقعه الفعلي على سياق المنافسة، بل أيضا باحتمال (مجرد الاحتمال) أن يكون سلوكه ذو طبيعة تعسفية، مستلهمة من وضعية الاحتكار الجزئي. العبرة هنا هي بالحيلولة دون أن تتحول الوضعية إياها إلى نزوع لإفساد المنافسة، ومن ثمة لاجتثاث المنافسين، الفعليين أو المحتملين.

ومعنى ذلك أنه ليس من الضرورة في شيء أن يكون سلوك الفاعل في وضعية هيمنة مثبتا فعليا، بالملاحظة وعلى أرض الواقع، بل يكفي مجرد إثبات أن ثمة نية محتملة وواردة لإفساد المنافسة واجتثاث المنافسين، نتيجة اعتماد حواجز للنفاذ أو عبر سن أسعار "قاتلة" أو ركوب ناصية سلوكات قد تكون تعسفية في مقاصدها.

وهذا معناه أيضا، من جهة أخرى، أنه بالإمكان التغاضي عن الوضعية الاحتكارية، أو وضعية الهيمنة حتى، لكن شريطة ألا تكون مصحوبة بشطط أو بسلوك تعسف، أو مغلفة بنية في تلغيم بعض أو كل مفاصل السوق. بالتالي، فلا رابط سببيا (نظريا على الأقل) بين الوضعية الاحتكارية لفاعل ما بالسوق، وإعمال ذات الوضعية لتحيل على وضعية هيمنة، قد يترتب عنها سلوك شطط أو تعسف.

هذا القول هو من صميم اختصاصات مجالس صيانة المنافسة، إذ هي مطالبة بإثبات طبيعة ذات العلاقة ودرجتها، قبل إعمال قوانين المعاقبة أو الزجر. العبرة هنا أيضا هي بإثبات العلاقة إياها، حتى وإن كان وقع السلوك الاحتكاري غير قائم أو ثابت على الأرض.

لو قسنا ما سبق على ما يجري بالمغرب بسوق المحروقات مثلا، سنلاحظ حتما ألا حاجة لنا لمجلس المنافسة كي نتثبت من حالات الوضعيات الاحتكارية بذات السوق. إنها أضحت عنوان هيمنة وشطط في استغلال الوضعيات الاحتكارية، لكن المجلس إياه لا يبصرها...إنه من الذين تنطبق عليهم الآية الكريمة: "صم بكم عمي فهم لا يرجعون".

يمكنكم مشاركة هذا المقال