تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"علمنة السوق"

عندما يتوارى دور الدولة للخلف، ويتم تحجيم موقعها بالسوق، فإن منطق "ملء الفراغ" هو الذي يتقدم ويسود. قد يتأتى الأمر من انسحاب مفاجئ للدولة من قطاع ما، جراء أزمة طارئة أو إكراه مستجد، وقد يتأتى من اختيار طوعي ثم من ترتيب مسبق، الغاية منه تحرير مجال الفعل في القطاع إياه، أو إعادة تموقع الدولة حول أدوارها التقليدية المتعارف عليها.

ولذلك، فإن سياسات الخوصصة وتحرير السوق، ثم تبسيط حواجز وصول الفاعلين الجدد، إنما هي سياسات تنهل من التصور إياه: علمنة السوق عبر تخليصه من إكراهات كبرى، إذا لم تكن من خارجه، فهي بالتأكيد دخيلة عليه (أو هكذا يقال)، مفسدة لآلياته (أو هكذا يروج) ومعطلة لميكانيزمات المنافسة التي تمنحه النسقية في التنظيم والانسيابية في الحركة.

قد يبدو اصطلاح "العلمنة" مستوردا من حقول معرفية أخرى، أو حمالا للمسة دينية قد تكون لازمته في النشأة أو في التطور. وهذا صحيح إلى حد ما. بيد أن قصدنا هنا من الاصطلاح إنما للتدليل على ضرورة الفصل الوظيفي بين الاقتصادي والسياسي بالسوق، بما يضمن للأول استقامته ويحفظ للثاني طهرانيته.

والقصد هنا، بصيغة أخرى، هو القول بأن ما يحرك السياسي ليس بالضرورة هو ما يحرك الاقتصادي، وما يحفز الثاني ليس دائما أداة تحفيز للأول، إذ تداخلهما لحد الاندغام في حالات عدة، إنما من شأنه تبخيس الفعل السياسي عبر تسليع مخرجاته، ومن شأنه بالآن معا ارتهان الاقتصادي بما هو تدافع "طبيعي" بين فاعلين متنافسين بالسوق.

السوق سابق على الدولة، لأن عمليات التبادل كانت قائمة قبلما تنتظم الدولة في هياكل ومستويات ومنظومات حكامة. بيد أن الأمر هنا هو حالة استثنائية سرعان ما تم تجاوزها عندما انتظمت الدولة في أطر مؤسساتية، وأضحى السوق بدوره منظومة في اقتصاد السوق، بمرجعية فلسفية وفكرية قائمة الذات، لها أطرها هي الأخرى ومنسوب في الاستقلالية يحركها.

من الثابت أن الدولة هي التي ثوت خلف تنظيم السوق وتحديد مجاله وقواعد اللعب من بين ظهرانيه، وذلك من منظور أن الدولة إياها هي مالكة "العنف الشرعي" التي بالاتكاء عليه تقنن وتنظم وتعاقب التجاوزات. هي التي نقلت السوق، بصيغته الفطرية الأولى، إلى مقام اقتصاد السوق، حيث التنظيم والتنافس ومجال تراكم رأس المال.

السوق، من هذه الزاوية، هو صناعة سياسية بامتياز، إذا لم يكن من منطلق أن الدولة هي فاعل مباشر فيه، فعلى الأقل من باب أنها هي الضامن لنسقية مجاله، بما تضعه من قوانين وتسنه من محاذير.

والدليل على ذلك هو إعمالها (الدولة أقصد) لقوانين تقويض الاحتكارات الخاصة مثلا، عندما تتغول بالسوق، أو تبدو غير متساوقة مع منطق اشتغاله. لا تكتفي الدولة بذلك، بل تذهب حد تنازلها عن بعض أو كل ممتلكاتها لفائدة فاعلين خواص، بدعوى أنهم "الأولى" بتدبيرها، والأكثر "نجاعة" في استجلاب فوائض القيمة من بين ظهرانيها.

بتحصيل حاصل هنا أن تكون عمليات الخوصصة سليل التصور القائم، أي التصور المنبني في جوهره على فلسفة إعادة التشكيل السياسي للسوق، أو لنقل إعادة تشكيل مرافق السوق بأدوات سياسية صرفة.

وبتحصيل حاصل أيضا أن يكون تحرير السوق (شموليا أو قطاعيا) من قبيل السلوك السياسي الذي يروم إعادة تشكيل السوق من جديد، بما لا يترك للدولة إلا الأدوار التقليدية التي عهدت لها منذ البدء، وكانت في صلب غاياتها ووظائفها، ويحيل ما سوى ذلك على مجال السوق.

إعادة البناء السياسي للسوق إنما يتغيأ، والحالة هاته، العمل من أجل أن يسترد السوق كل ما تمت مصادرته من بين أيديه، بدعوى المرفق العام أو المصلحة العامة أو السيادة الوطنية أو ما سواها.

ومع أن ذات البناء لا "يتنكر" للجوانب إياها، جوانب المصلحة العامة، بدليل إعماله لمستويات مؤسساتية تضمن المنافسة والتباري الحر وزجر المتجاوزين، فإنه إنما يراهن على ضمان الفصل بين الأبعاد المختلفة، لا سيما الاقتصادي والسياسي، ودفعهما كي يحتكم كل منهما لمرجعيته الذاتية، ويقتصر عليها دون باقي المرجعيات.

يبلغ التحليل مداه هنا عندما ينفصل السوق تماما عن الدولة كفاعل مباشر في السوق، فينفصل بجريرة ذلك الاقتصادي عن السياسي، ويصبح الفعل الاقتصادي من مضمار السوق، والفعل السياسي من مضمار الدولة. وهذا تصور مثالي لا يعبر إلا عن الصيغة المتطرفة لليبيرالية، فيما تنشد الليبرالية "المعتدلة" تشكيلات وسيطة لا تستبعد الدولة ولا تحصر مجال فعلها في الأمن وصك النقود.

إن الصيغة المتطرفة هذه، هي تلك التي تم إعمالها ببريطانيا القرن السابع عشر، عندما حولت الدولة حينها، الضيعات الفلاحية المشتركة إلى ملكيات خاصة، فزجت بمئات المزارعين إلى أحياء المدن، حيث تشكلت نواة البروليتاريا إبان البدايات الأولى للثورة الصناعية.

علمنة الملكية أفرزت دون شك، فظاعات اجتماعية كبرى بالماضي، وأفرزت أخريات بالزمن الحاضر، ببلدان المركز كما ببلدان الهوامش على حد سواء.

ليس المطلوب إعمال هذا "الفصيل" من العلمنة، وإلا لاصطف الكل مع الكل ضد الكل. المطلوب هنا هو أن يرفع السياسي يده عن الاقتصادي وعن السوق، وإلا فثمة حتما تنافيا وتضاربا للمصالح وتغولا للسوق على المجتمع...يجب ألا يعمد السياسي، ومن خلفه الدولة، إلى إعادة تشكيل السوق بما يخدم مصالحه، أو بما يقوي نفوذ الأوليغارشية الاقتصادية على حساب المصلحة العامة، منتجين ومستهلكين ومنظومة حكامة. يجب أن ندفع بعلمنة للسوق تراعي خصوصية كل مستوى من المستويات، إذ في خلط الوظائف، تختلط الأدوار، فلا يستطيع المرء معاينة مصدر الضرر.

نافذة "رأي في الشأن الجاري"، 1 غشت 2022

يمكنكم مشاركة هذا المقال