تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"المفكر في مواجهة القبائل"

رجيس دوبري (ترجمة غازي برو)، دار الفارابي، بيروت، 2015، 60 ص.

تعود كلمة "المثقف"، بنظر دوبري، إلى بداية القرن التاسع عشر، حينما استخدمها جورج كليمنصو في "بيان المثقفين"، الذي وزعه. لذلك، نكاد لا نجد لها أثرا في القواميس المعتمدة في حينه.

يميز الكاتب بداية، بين المفكر والفيلسوف (ذاك الذي يسعى إلى حكم نفسه بعقله) وبين المفكر والعالم (ذاك الباحث الذي يسعى "وراء الحقيقة في الأشياء"). ويلاحظ أن الذي حث عليه عصر التنوير ليس "جرأة المعرفة" فحسب، بل "جعل العقل شائعا".

الكاتب ينزوي بنظره، إلى أوراقه، في حين أن المثقف مطالب "بالتغريد خارج السرب، وبصرامة، بدلا من السعي لإقناع البورجوازي".

إن الأهم بنظر الكاتب، "ليس أن يكون المرء مثقفا، وإنما أن يسلك سلوك المثقف"، إذ "عندما يقوم إنسان كاثوليكي بشجب تراتبيته، أو يواجه مسلم أو يهودي ممثليه الرسميين، أو يناهض طبيب مجلس نقابته، نعتبر كل  تلك التصرفات سلوك مثقفين".

من جهة أخرى، يلاحظ الكاتب أن عصر التنوير هو الذي "شهد مع ظهور المكتبة وجمعيات الفكر للمرة الأولى، خروج الكتاب من مكاتبهم أو أكاديمياتهم وتشكيل قوة تدخل".

ويعتقد أنه عندما تكون الأفكار منخفضة التوتر، فإن المعتقدات الدينية تكون "مشحونة بقوة". المعتقد الديني هنا هو وسيلة الإنقاذ الأخيرة "المتبقية بيد المصابين بالمهانة. لذا فإن الانتماء الطائفي لا يقتصر على خيار روحي أو محض ميل خاص، بل هو مادة لاصقة قوية تلتحم بالجلد والروح والأسرة". بالتالي، يرى الكاتب أن "عمل المثقف الفكري يقتضي دائما اجتناب الالتصاق ببيئته".

إن المساواة الأخلاقية بين المواطنين وحرية المعتقد الحقيقية، تفترضان برأيه، "الصفة العالمية للقانون والانتقال من السلطة كشأن هو من صلاحية الأمير، إلى اعتبارها شأنا ينظمه القانون. وباختصار، الانتقال إلى دولة قوية مناسبة. الدولة الضعيفة تعني سلطان المال ورجال دين طامعين بسلطة وتجاوزات مافيوزية".

لذلك، يرى أن "الأخلاق الفردية ليست كافية للتصدي لطوق الأصوليات الخانقة، ولا بد من قاعدة سياسية صرف، قانون واحد يطبق على الجميع".

الآية في ذلك برأيه، أنه "لا وجود لعالم يسمح فيه بقول كل شيء، وطباعة كل شيء، وعرض كل شيء، بلا قواعد مقبولة ولا جزاء".

صحيح أن حرية الانتقاد مضمونة، لكنها مجبرة على احترام المعتقدات...يبقى فقط كيف نضع الحدود والمتاريس...إذ في "الوقت الذي تستخدم فيه القبائل المنغلقة من عقالها، كل الأسلحة المتاحة، وتعيش كل منها في قلعة محاصرة، يأخذ المعيار الصحيح اجتماعيا محل المعيار اللائق سياسيا".

بالمقابل، يبدو الانتماء إلى مجموعة ما، "شرطا أساسيا للبقاء على قيد الحياة". لذلك، نجد أن "العائلات الروحية القديمة تتصلب متكثلة ضمن كتائب، شاهرة هوائياتها التي تحسمها أطراف رماح، وتعبئ جمهورها بواسطة سجالات لا تنتهي، ويتحلق حولها محامون متخصصون وإعلاميون معتمدون، يتوزع نشاطهم بين الاستكشاف والحراسة عند الأسوار، كل لديه إذاعته وصحافته وفضائيته وجمهوره الأسير". كل طائفة تدافع عن نفسها إذن، وتحاصر من ينتقدها أو يعاديها: "بعد شرطة الأفكار جاءت شرطة الواقع، وبات على الإعلام إما أن يكون دعاية وإما السكوت. القرن الحادي والعشرين يفتح أمامنا قرن الأقليات".

ومع ذلك، فلا "الله ولا المال يحبان مثيري الشغب. كل له أسبابه، سلطة المال (البلوتوقراطية) لأنها تحتقر رجال الفكر، وسلطة الدين (الثيوقراطية) لأنها تخشاه".

ماذا بقي للمثقف غير المنتمي إلى طائفة، أي"المثقف غير العضوي"، رجل القطيعة وليس رجل اللحمة، والذي لا يمكن للإجماع أن يسود يوما بالنسبة له؟ يتساءل الكاتب. ما مصيره في ظل عالم "يميل أكثر فأكثر نحو تحديد هوية الفرد من خلال جماعته العرقية وحزبه وحسبه ونسبه وعائلته، وحيث تلعب الهوية كمبدأ للإقصاء، وحيث كل قبيلة تعتبر نفسها الضحية المحتملة لجارتها؟"...إن الذي "يكسر التوافق مرشح بقوة ليصبح كبش الفداء".

وحيث سيكون المثقف الناشط مفيدا، فإن الشروط المنافسة لممارسته هي الأصعب، إذ إن "هناك أيضا تتركز المحرمات والرقابة والرقابة الذاتية والنكرات والكوابح".

إن حصار النقد، نقد أي شيء بما فيه الدين، هو تحويل الثقافة إلى سياج، والتسبب في إفقار الجسم الاجتماعي بأسره، لا بل بخنقه.

وأيا يكن الأمر، فإن المطلوب هو إيجاد توازن بين كل ما يفرق وكل ما يكتل...وهي مهمة "تنتظر في كل مكان رجل الثقافة والفكر للاطلاع بها: مصالحة التشنجات الهوياتية بإزاء مجتمع الفراغ".

نافذة "قرأت لكم"

28 يوليوز 2022

يمكنكم مشاركة هذا المقال