تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"رهائن السوق"

التواطؤ بالسوق سلوك معيب، لأنه من عملية النصب على المنافسة وعلى المستهلك. يكاد يكون من قبيل سلوك المافيا، التي تشتغل بالسوق، لكن دونما احتكام لقانون أو لأخلاق أو لمعايير التدافع الحر. إنها تتحرك دون اعتبار للمحاذير، حتى إذا تطلع أحد لمواجهتها، أو لاعتراض سبيلها أو لمنعها واستئصال تجاوزاتها، طحنته دون وازع أخلاقي يذكر.

التواطؤ هنا هو التفاف على القانون، تحايل عليه. قد لا يعاينه المرء، فما بالك تحديد منسوبه وتشعباته، حتى وإن تسنى له معاينة الأطراف التي تحركه في العلن وفي الخفاء. ثم هو التفاف على "قيم" السوق، لأنه يتجاوز على المنافسة، يحصر مداها، فيتلاعب بالأسعار وجودة الخدمات كيفما بدا له الأمر. التواطؤ هو بالمحصلة النهائية احتكار مقنع، حتى وإن كان فعله يتم في ظل سوق ظاهره البين تنافسي.

ولذلك، فهو لا يرهن المستهلكين فحسب، بل يرهن المنتجين أيضا، منافسين وغير منافسين، لأنه يدفعهم قسرا للاصطفاف حول خياراته ويضطرهم للتساوق مع اختياراته، حتى وإن بدت لهم الخيارات إياها مضرة بمصالحهم على المدى القصير، أو "معطلة" لمشاريعهم في المدى المنظور.

 تضارب المصالح أمر معيب هو الآخر، ومدان فضلا عن ذلك، لأنه يجسد وظيفة الخصم والحكم، وظيفة من يحصر القرار في محيطه الضيق ولمصلحته، ويجعله قرارا ساريا على العامة من الناس. فالبرلماني/رجل الأعمال يشرع لفائدة توسيع مجال أعماله، والوزير/المتحزب يقرر بما يخدم حزبه أو نقابة حزبه أو المنضوين تحت لوائهما، والرئيس المنتدب لا يعتمد في خياراته إلا ما يتماشى مع المصلحة التي يمثل، أي الجهة التي اختارته ورسمته وفوضت له الأمر.

لذلك، نرى أن من تنتدبهم الجماهير لعهدة ما، غالبا ما لا يمثلونها لذاتها. إنهم يتخذون من "ثقتها" مدخلا لخدمة مصالح قد تكون غير تلك التي انتدبوا للدفاع عنها. ولذلك أيضا، نرى أن من يتهافت على أصوات الناخبين، بمقابل مادي مباشر أو بإغراء معنوي غير مباشر، إنما يتخذ من الأصوات إياها مطية لبلوغ منصب أو مقام يضمن الوصول "للغنيمة"، أو يفتح باب الحصول على الحصانة، فيصبح بالتالي "حكما بين الناس" في الخطاب، خصما لها في الممارسة.

عندما يجتمع التواطؤ بتضارب المصالح، فاعلم أن منطق الافتراس الشامل قد انتصر. إنها النقطة التي تتماهى فيها السلطة مع السوق، لأن من يتبوأ مركز القرار بالسلطة، يصبح هو صاحب القرار بالسوق. تضارب المصالح هنا يغدو واضحا جليا، لا بل ومركزا في جهة محددة، شخصا أو مجموعة أو تكتلا سياسيا من لون واحد أو من ألوان متقاربة. أما التواطؤ، فيأخذ هنا أشكالا مضمرة، قد تبدأ بالتحايل على الصفقات، وتمريرها لفائدة جهة معينة، وقد تنتهي بتسريب المعلومات للجهة المتبارية بغرض ضمان غلبتها على المنافسين المحتملين.

أما وجه الافتراس، فيكمن في لازمة تأميم التكاليف وتعميمها، ثم خوصصة الأرباح التي يلجأ لها الفاعل بالسوق، سواء ركب في ذلك ناصية تضارب المصالح، أم اعتمد على "تقنية" التواطؤ، مباشرة أو من الباطن. ومعنى هذه اللازمة أن المنتج كما المستهلك، إنما يجد نفسه رهينة منطق لا يستطيع الفكاك منه، لأنه يتحمل التكاليف لوحده، ولا يفيد من تراكم الأرباح التي تتجمع بين يدي من له السلطة بهرم الدولة ومن له "الكلمة العليا" بالسوق.

في ظل التواطؤ وتضارب المصالح، لا يصبح السوق أداة لتصريف فائض القيمة، أو توزيعها حسب مبادئ العرض والطلب ومعايير المنافسة الشريفة، بل يصبح أداة لإقصاء آليات الإنتاج لفائدة الريع والتربح غير المشروع.

إن الحواجز، التشريعية والقانونية والتقنية، التي يضعها صاحب القرار/الفاعل بالسوق، لا تخضع هنا لاعتبارات المصلحة العامة، أو لمعايير المنافسة الشريفة. إنها تعتمد بنية خلق "محميات اقتصادية" يحذر الاقتراب منها أو الإشارة إليها ولو بالتلميح. ثم هي حواجز ترهن المنافسة وتضيق على حق الفاعلين في التباري أو في المجازفة.

ولذلك، فعندما يكون رئيس الحكومة المغربية مثلا، صاحب مجموعة اقتصادية ضخمة، تضم ضمن أنشطتها شركة تحتكر 40 بالمائة من سوق المحروقات، متواطئة مع "أخواتها" في القطاع للتلاعب بالأسعار، فإن الأمر مثار مفسدة كبرى، مفسدة "تزويج" السلطة بالسوق رغما عنها وبضغط "من أهلها".

هذا الوضع "الغريب" على منطق السوق، يحول الجميع، منتجين ومستهلكين، إلى رهائن حقيقيين. إنه باب من أبواب تضارب المصالح، لأن من بيده آليات الحكم، يتحكم في دواليب السوق أيضا. أما الشركات الفاعلة الأخرى، فإنها إن لم تتواطأ، فهي "تتبع"، فتكون بالحالتين معا، قادرة على ضمان حد أدنى من الربح، حتى بظل سوق لها به نصيب متواضع.

التواطؤ وتضارب المصالح مفسدة كبرى، هنا وهناك وعلى حد سواء. إنها، وإن "غصبت" الناس على القبول بها في زمن ما وتحت ضغط ظروف ما، فإنها لا تضمن وجهة المآلات، لأن رهائنها سينتفضون حتما إن رجحت في أعينهم مخرجات الخسارة قياسا إلى ربح بعيد المنال.

نافذة "رأي في الشأن الجاري"، 18 يوليوز 2022

يمكنكم مشاركة هذا المقال