تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"السوق واقتناص المقنن"

عندما يحرر السوق، أيا يكن السوق، فمعنى ذلك أن الدولة ترفع يدها عنه مباشرة أو بصورة مباشرة، تماما ونهائيا أو بصيغ جزئية مختلفة، تتم مراعاة المصلحة العامة بموجبها.

وعلى الرغم من انسحاب الدولة أو تخفيف "وطأة" حضورها بهذا الشكل أو ذاك، فإنها غالبا ما توكل دورها وتفوض صلاحياتها لوكالات، أو هيئات عليا، أو أجهزة تقنية معتبرة تقوم مقامها (مقام الدولة) في التنظيم، أو في التقنين، أو في الحرص على الإعمال الجيد لمبادئ التدبير والحكامة.

لا يتعلق الأمر بكل مفاصل السوق، وإلا لغدونا بإزاء وكالة أو هيئة عليا لكل سلعة وخدمة، وهذا أمر إن تسنى له أن يكون جدلا، فإن من شأنه الإضرار بنسقية السوق، وإغراقه بمستويات تحكيم قد تضيع بجريرتها معايير العرض والطلب ومن ثمة مصالح الفاعلين، مستثمرين ومنتجين ومستهلكين على حد سواء.

الأمر يتعلق بمرافق السوق الاستراتيجية، والتي كانت منذ نشأتها الأولى من صلب وظائف الدولة تأسيسا وتمويلا وتدبيرا وإشرافا. لقد كانت، بوجه من الوجوه، جزءا من الدولة لا يتجزأ، حتى وإن كانت طبيعتها اقتصادية أو صناعية أو تجارية أو ما سواها.

كانت في مجملها تثوي خلف مفهوم مركزي قار، مفهوم المرفق العام، لا في استمراريته فحسب، بل أيضا في ارتكازه على المساواة أمام ما يعرض من خدمات، بالنسبة للأفراد والجماعات، كما بخصوص وظيفة التغطية الترابية الشاملة الموكولة إليه.

وهو ما كان سائدا ولعهود طويلة مضت مع القطاعات الاستراتيجية الكبرى، من ماء وكهرباء واتصالات ونقل سككي وجوي وغيرهم.

بيد أن موجة الليبرالية الجديدة التي عمت العالم منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي، دفعت بقوة بجهة خوصصة الملكية العامة لهذه المرافق، وفتح الأسواق أمام منافسة لطالما ضاقت واستهجنت التدبير الاحتكاري العام الذي ميز تدبيرها وواكب تطوراتها وتحولاتها.

تمت خوصصة القطاعات الاستراتيجية إذن، وتم فتح أسواقها أمام المنافسة. بالآن ذاته، سنت وكالات وهيئات أوكلت لها أدوار ووظائف "صيانة" المنافسة، ثم "رعايتها" ثم معاقبة المتجاوزين على روحها وعلى منطوقها.

وظيفة التقنين التي كانت من الصلاحيات الحصرية للدولة في تنظيمها لقطاع محتكر، تم "تحويلها" إذن لفائدة هذه الوكالات أو الهيئات.

ليس من المهم هنا تقييم هذه الوظيفة أو الوقوف عند خلفياتها الأساس، هذا مبحث لا يستقيم به المقام هنا. الأهم هنا هو مناقشة حالة الاستقطاب التي قد تخضع لها هذه الوكالات، فيترتب عنها تراجع أو فقدان الاستقلالية التي تتمتع بها، أو خاصية النزاهة التي من المفروض أن تطبع قراراتها.

ولذلك، فإن مصطلح "اقتناص المقنن" التي استخدمناه هنا، إنما الغرض منه توصيف حالة استمالة هذه الوكالة أو تلك، بهذا القطاع الاستراتيجي أو ذاك، بنية  مصادرة ما يترتب عن مداولاتها أو ما يتم إقراره أو تقريره من لدنها.

يقال إن الرشوة هي أخطر وأقصى حالات اقتناص المقنن. وهذا صحيح. إلا أن هذا الواقع لا يجب أن يخفي حالات عديدة أخرى لا يستطيع القانون الجنائي ضبطها، فما بالك إثباتها بالحجة الدامغة.

وعليه، فوجود صداقات بين الفاعلين في قطاع ما مع المقنن مثلا، تدخل ضمن باب الاستقطاب، إذ ارتياد نفس الأماكن، نوادي أو فنادق أو مناطق استجمام، تفتح الباب أمام الاستقطاب إياه وتسهله، تماما كما الحال مع وجود روابط قرابة أو علاقات عائلية أو زمالة هنا أو هناك، أو انتماء سياسي أو نقابي...وهكذا.

مكمن الخطر هنا لا يتحدد بالقياس إلى مدى التأثير في القرار، بل أيضا في احتمال تسريب معطيات قد تكون من صميم استقلالية المقنن نفسه. بالتالي، فإن جوهر الوظيفة ذاته يصاب في مقتل إذا لم يكن مباشرة، فبصورة غير مباشرة، من المتعذر معاينتها.

وهو أمر ليس بالجديد، إذ في حالات الاحتكار العمومي السابقة على عمليتي التحرير والخوصصة نفسها، كان بإمكان "الصناعة" المحتكرة ممارسة "الضغط" على المشرع كي يجاري هذا الخيار أو ذاك. بيد أن حالة اقتناص المقنن تكون أقوى وأشد في القطاعات التي تكون أنشطتها من مجال المنافسة الخالص، فتتحول القوانين جراء ذلك إلى حواجز لبلوغ الأسواق، أو إلى سلوكيات يصبح المقنن بموجبها خصما وحكما حتى وإن من خلف ستار.

قد لا يتعذر هنا ذكر حالات يكون بهياكل المقنن أعضاء من القطاعات المحررة، أو لهم معها روابط قد تبلغ مبلغ تضارب المصالح، بيد أنها تتعذر مع المجالس العليا التي أنشئت خصيصا لصون المنافسة كخيار اقتصادي عام.

هل مجلس المنافسة بالمغرب مثلا غير مستقطب، أو لا تضارب للمصالح لدى بعض من أعضائه ومكوناته؟

من تسنى له متابعة ملف "تحكيم" قطاع المحروقات، لن يتعذر عليه تلمس بعض عناصر الجواب.

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال