تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"السوق والأخلاق"

السوق تنظيم فطري بامتياز، فيما اقتصاد السوق تراكم وربح وفائض قيمة. أما مجتمع السوق، فهو يتجاوزهما معا. إنه "فضاء للبيع والشراء" خالص، حيث لا شيء يعلو على منطق العرض والطلب، ولا على ضغط الحاجة وإلحاحيتها. هو "نمط حياة" بوجه من الوجوه، تغزو "قيم السوق" بموجبه، كل العلاقات الاجتماعية، حتى الخاصة والحميمية منها، وتحدد كل مظاهر حياة الأفراد والجماعات.

السوق هنا هو المتبوع، فيما الكل مرهون وتابع، بما فيه المجتمع، بشتى قيمه وتمثلاته وسلوكه ومعتقداته. هي بالتالي عملية تسليع شاملة، تطال ما يروج بالسوق، ثم تعمل بالتدريج على دمج باقي المجالات العصية بصلبه، حتى يصبح المقياس العام، هو تثمين كل ما هو موجود وعرضه كمادة للبيع والشراء. التسليع هو الهدف والمبتغى، فيما الباقي أدوات ووسائل.

ثم إنها عملية خوصصة كاملة الأوصاف، تتحول بمقتضاها القيم المجتمعية إلى استثناءات، فيما قيم السوق هي الأصل والقاعدة. السوق يفرض سطوته هنا على الجوانب غير الاقتصادية، المادية منها واللامادية على حد سواء، ويحولها إلى سلع تقتنى بمقابل. المقابل نفسه لا تتحدد قيمته أو تقاس إلا بمعيار ندرته من وفرته بالسوق.

ولذلك، فلم يعد "من العيب" بيع المرء لصوته أثناء عمليات الانتخابات، والقبول بما يصرف خلالها من أموال وعطايا لاستمالة الجماهير، وثنيها بالقوة الناعمة، أو بالابتزاز حتى، عن الممانعة التي قد تبديها في وجه سطوة فاعلي "السوق السياسي" وتوجهاته. ولم يعد من "العيب" أيضا إقدام الدول والحكومات على شن حروب بالوكالة، يتم بموجبها "شراء خدمات" مجموعات مرتزقة هنا وهناك، تقوم مقام الجيوش النظامية في غزو الأوطان، أو في بث الفوضى بين المجتمعات، أو في زرع بذور الحرب الأهلية في هذا "البلد المارق" أو ذاك. حتى الأرحام البشرية لم تسلم من منطق السلعة واجتياح قيم السوق لها، فباتت "تستعار" لفترة من الزمن، شأنها في ذالك شأن المتاجرة بالأعضاء أو بالخلايا أو بالجينات.

يبدو الأمر هنا كما لو أن مجتمع السوق، ومن خلفه وبين ثناياه اقتصاد السوق، لا يتماهى مع قيم التضامن نهائيا، فما بالك أن يحتضنها أو يصونها، مادام أنه لا يعلي إلا من مقام الأنانيات الفردية، ولا يجازي إلا من يحتكم لمبادئ المنافسة والليبيرالية، ثم الإنتاجية والربحية وأطروحة البقاء للأقوى.

هذا واقع معاش ولا يمكن التغاضي عنه بأي شكل من الأشكال. بيد أن هذا الطرح، وإن عم وانتشر وساد، لا يجد له دائما الدعامة النظرية أو التبني الكامل من داخل المنظومة نفسها التي يتكئ عليها أو يتخذ منها الخلفية والإطار. إذ وضع مؤسسو نظريات السوق ودعاته، وضعوا له، منذ زمن بعيد، متاريس أخلاقية رادعة، لا يمكن لمقام السوق ذاته أن يستوي دونها، فما بالك أن يستقيم بالتبرم عنها. آدم سميت نفسه نشر قبل كتابه التأسيسي، "ثروة الأمم"، كتابا أعمق وأشمل عن "نظرية الأحاسيس الأخلاقية"، ساق فيها ما بدا له من صميم "اليد الأخلاقية الخفية".

قواعد العدالة التي تحدث عنها آدم سميت لا تبحث في العلاقات بين الأخلاق والسياسة فحسب، بل أيضا بينها وبين السوق، لدرجة يرى فيها أنه وإن لم يكن بين الأفراد من رابط جامع قوي، فإن قواعد العدالة من شأنها أن تضبط علاقاتهم، وتحول دون أن يبلغ أحدهم الضرر بالآخر.

من  هنا، فإن حالات اللاتوازن التي يفرزها السوق في اشتغاله أو على أطرافه، لا تتأتى دائما وأبدا من طبعه، حتى وإن كانت من صفاته ومن مواصفاته. إنها تتأتى من الطبيعة البشرية لفاعليه، أفرادا وجماعات ومستويات وسيطة. إذ قد لا يضير المرء في نهاية المطاف، أن يحتكم البعض على مفاصل الثروة بالسوق، لكن الأمر لا يجب (من الناحية الأخلاقية الخالصة) أن يبلغ مراتب من اللاعدالة الاجتماعية يكون من شأنها إقصاء شرائح من المجتمع من خدمات حيوية كبرى، من قبيل التربية أو التعليم أو الصحة أو الاختيار السياسي الحر.

إن ذلك من صميم المسؤولية الاجتماعية للسوق، إذ توفير ظروف وسياق سوق تنافسية حرة، خالية من حواجز البلوغ، وحيث سريان المعلومة مباح ومتاح، من شأنها أن تفرز منظومة اقتصادية متوازنة ومنصفة، على النقيض تماما من حالات الاحتكار أو التمركز، التي تحمل من المفاسد ما يؤثر على نسقية السوق ويضر بمصالح المجتمع.

فاعلو السوق أنفسهم، في تغيؤهم لتعظيم الربح وتوسيع هوامش الحركة، قد يطالهم الضرر أيضا، وقد تتعطل دورات رأس المال من بين أيديهم، فيتأثر الاستثمار ويتراجع الإنتاج وتنحصر سبل العلاج. حتى إذا كان للدولة من تدخل ما، فإنها قد ترى ذلك من مضمار السوق، وليس من الوظيفة الإشرافية "البعيدة" التي تتكفل بها في ظل المنظومة القائمة.

هل معنى هذا أن السوق محايد أخلاقيا، مادام أن غاياته الأساس، لا بل ووظيفته الأصل يقول دعاة السوق، هي تعظيم فوائض القيمة، والرفع من منسوب الأرباح؟

من الجائز أن يكون الأمر كذلك، على الأقل من منظور أن الذي يحكم السوق إنما هو منطق العرض والطلب ومحك الربح والخسارة، على أن دور الدولة لا يتجاوز التدخل "البعدي"، لدفع الفاعلين إلى احترام والالتزام بقواعد في اللعب محددة سلفا.

الجانب الأخلاقي هنا لا يكمن في الإعلاء من قيم الأمانة أو الشرف، إذ هذا لربما آخر المفكر فيه بالسوق. إنه يتمثل في طبيعة العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع، والتي من المفروض ألا تضمر الضرر لإحدى عناصر المعادلة، جراء سلوك لاأخلاقي غير متفق عليه أو متوافق بشأنه.

أمن الأخلاق أن تعمد الدولة في المغرب مثلا، إلى ترك السوق يبتلع المجتمع، ويسطو على مرافقه الكبرى من صحة وتعليم وماء وكهرباء؟ أمن الأخلاق أن تترك سوق المحروقات للوبيات جشعة، ترفع الأسعار دون الاحتكام للتكلفة، فترتفع هوامشها الربحية موازاة وحجم الضرر الذي يطال القدرة الشرائية لعموم المستهلكين؟

الأمر، في الحالات كلها، لا يروم استنبات قيم أخلاقية مثلى من بين ظهراني السوق وزرعها في قلوب فاعليه. إنه يروم التأكيد على دور الأخلاق كضرورة اقتصادية قصوى، لأنها هي الكفيلة بصيانة البنية والحؤول دون تهاوي البنيان.

يمكنكم مشاركة هذا المقال