تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأستاذ يحيى اليحياوي: "وثيقة تنظيم البث الفضائي العربي جاءت لفرض خطوط حمر جديدة"

الباحث في مجال الإعلام والاتصال قال إن وثيقة تنظيم البث الفضائي العربي جاءت لفرض خطوط حمر جديدة, متوافق عليها، وقابلة للتنفيذ للتو، وبالتالي فهي زجرية تفرض رقابة ناعمة أكثر من كونها مهنية. كما نفى وجود سياسة إعلامية بالمغرب، وفي مقابلها أكد على وجود سياسة للسلطة في الإعلام متميزة بالسطحية والطابع الرسمي، والاختزالية...

* يرى البعض أن الوثيقة المنظمة للبث الفضائي العربي أتت لتكميم الأفواه وتضييف حرية التعبير، فيما يرى آخرون أنها تقنن هذا البث ما رأيكم في ذلك؟

- كل رأي من الرأيين له نصيب من الصحة والصواب في نظر من يدلي به: فمن جهة هناك زاوية رؤية بالنسبة للحكومات التي ترى أن الوثيقة محاولة لتقنين البث الفضائي العربي، وخلق آليات جديدة لتنظيمه. وهذه نظرة موضوعية, لأنه لا يمكن أن يترك نشاط خارج منظومة التقنين والتنظيم. وهذا موقف جانب من الصحافيين المتماهين مع السلطة ومع الخطاب الرسمي. من جهة ثانية, هناك زاوية النظر المهنية وتتمثل في موقف الصحافيين والتنظيمات المهنية المنظمة للقطاع, والتي ترى أن الوثيقة لم تأت لتنظيم البث الفضائي العربي، ولكن بغرض فرض خطوط حمر جديدة، وأنا أقول إن هذه الخطوط مع الوثيقة ستصبح مقننة ومحددة، ومتوافق عليها وقابلة للتنفيذ، فالمقصود ليس الـ 120 أو130 قناة فضائية عربية التي تبث على جميع الأقمار، ولكن قنوات محددة فقط، وهي القنوات التي تتناول قضايا الشأن العام العربي بنوع من التحليل وببعض من المناقشة الموضوعية الدقيقة. هذه القنوات يعتبر خطابها في نظرهم تطاولا على الحكام والحكومات العربية التي تريد احتكار البشر والحجر. وبكل صراحة فالمقصود هي قنوات الجزيرة ودريم وإلى حد ما قناة دبي خاصة مع برنامج قلم رصاص لحمدي قنديل. الوثيقة تحاول فرض نوع من الرقابة غير المباشرة على الرأي الحر المتناول للقضايا العربية، وهذا ما يبينه الطابع المبهم والضبابية التي صيغت بها بعض البنود، التي وبمجرد قراءتها تبدو قابلة للتأويل وتعدد التفسير. فمثلا عندما نقرأ في الوثيقة "عدم التحريض على الكراهية و... ما معنى الامتناع عن التحريض على الكراهية؟ وهل اتخاذ موقف من فئة من اليهود مثلا هو تحريض على الكراهية؟ وأيضا عندما تنادي بضرورة التفريق بين المقاومة والإرهاب، فكيف يمكن هذا التفريق؟ ومن يملك هذا الحق؟ فحماس مثلا هي في نظر أمريكا وإسرائيل حركة إرهابية، وفي نظر البعض الآخر وضمنهم الصحفيون هي حركة مقاومة.. وقس على ذلك. الأمر خطير جدا لأنه سيصبح لوزراء الإعلام في الدول العربية الحق في تأويل النص وقراءته على حسب هواهم، وحسب طبيعة النازلة! الوثيقة تسبح في طابع فضفاض, إذ لن يكون من حق أي قناة, وفقها, أن تزايد على حاكم أو مسؤول عربي فيما يخص مركزية السلطة والثروة بين يديه، أو مناقشة عزمه توريث الحكمو أو ما سوى ذلك.
أنا أسألك: إذا لم يسائل الإعلام الحاكم فيما يخص مؤسسة الحكم وليس كشخص, فمن سنسائل إذن؟ الوثيقة بالمحصلة الأولية حمالة أوجه: ففي جانبها المهني تحاول التقنين والتنظيم، وفي الجانب الزجري هي زجرية تذهب إلى حد فرض رقابة ناعمة وخشنة في الآن معا على الصحفيين، وخلق إطار جديد لتأويل النص حسب المصالح.

* أستاذ اليحياوي هذه الوثيقة جاءت بعد اجتماع استثنائي لوزراء الإعلام العرب، ما الحدث الخطير الذي جعل الاجتماع يأتي استثنائيا للخروج بهذه الوثيقة؟

- الوثيقة جاءت في إطار أحداث تراكمت وترسبت انطلاقا من سلوك العديد من الفضائيات، ونقدهم لسلوك بعض الحكام، وخاصة في كل من مصر، تونس، الأردن والسعودية، غير أنها جاءت الآن بالتحديد بدفع دولتين من هذه الدول بالفكرة، لأنها لم تعودا تطيقان المجريات لحين الاجتماع العادي للمجلس ! المطلوب حسم الأمر بسرعة ووضع حد نهائي لهذا السلوك المتزايد ربما. غير أن ما يثير الانتباه هو الأسلوب المتسرع والطبيعة الهلامية في صياغة الوثيقة دون استشارة المهنيين على الأقل، خصوصا وأن جوانبها مهنية وليست من صلاحيات وزراء الإعلام.
ثم الوثيقة قابلة للتنفيذ دونما أن تعتمدها البرلمانات, وهي مسألة خطيرة بكل المقاييس في تبعاتها المباشرة والطويلة المدى.

* ما مستقبل البث الفضائي العربي الذي من الممكن أن يتحول إلى قنوات أرضية "تعيد إنتاج الرداءة" على حد تعبيركم؟

- اسمح لي أن أعكس السؤال كالآتي: ما هو مستقبل الحكام العرب الذين يضيقون ذرعا بالحرية الإعلامية وبما تقدمه بعض القنوات؟ فاليوم سياسة المنع والرقابة المباشرة ومطالبة الإعلام بالتصفيق للحاكم باتت أمرا متجاوزا، لأن البث يتم عبر الأقمار الصناعية وليس عبر الشبكة الهرتزية، فممكن لقنوات أن تبث من إيطاليا أو فرنسا أو غيرها... فتقنيا لا يوجد مشكل، ولكن إعلاميا يظهر أن وزراء الإعلام العرب متجاوزون ولا تزال في دماغهم سلطة الرقيب وديدنهم ممارسة الأبوية. الإعلام ليس صناعة ثقافية أو إعلامية صرفة، وإنما صناعة اقتصادية (الإعلانات الاشهارية....) وأداة حرب وصراع، ومنافسة، العصر تجاوز النظرة الكلاسيكية للإعلام ومن اعتمد الوثيقة يسبح ضد التيار.

* لنتحدث في المحور الثاني عن السياسة لإعلامية في المغرب، كيف ترونها؟

- أولا يجب أن ندقق في المفاهيم: هل توجد سياسة إعلامية في المغرب؟ وعن أي سياسة إعلامية يتحدثون؟ هل بالمنظور الشمولي لهذا المفهوم، أم بالمعنى القطاعي الذي قد يحيل عليه؟ - ثانيا للحديث عن سياسة إعلامية يجب توفر إرادة في التغيير نحو الأفضل، وتوجهات عامة، وتصورات للمضامين ثم الميزانية التي تمكن من إنجاز كل ذلك. فغياب الأهداف والبرامج والرؤية يجعل القيمين يخبطون خبط عشواء. لنأخذ مثلا برامج رمضان فلو خرجت إلى الشارع وسألت أي مغربي سوف لن يكون راضيا عما قدمته القنوات المغربية خلال هذا الشهر المبارك، أما رأي الأكاديمي والناقد العلمي فاسمح لي أن أقول إن الرداءة والتفاهة عنوان البرامج التلفزية، أين هي التنافسية والحرفية في القنوات المغربية؟ فلا يكفي أن تأتي بقناة وتقول هذه قناة القرآن الكريم لا لشيء إلا لأنك أتيت بتسجيلات لفقهاء يتلون القرآن الكريم وآخرون يتحدثون عن عذاب القبور، لدرجة أنه منذ الاستيقاظ وأنت تعيش طقوسا جنائزية، هل هناك مجال لمقارنتها بقنوات أخرى ذات نفس التوجه كالتنوير أو إقرأ مثلا؟ ما هي القيمة الإضافية لهذه القناة في المشهد الإعلامي؟ في المحصلة: لا توجد عندنا سياسة في الإعلام وإنما سياسة السلطة في الإعلام والتي من أبرز تمظهراتها: السطحية في تناول القضايا، والطابع الرسمي، والاختزالية ثم غياب المضامين الثقافية والترفيهية والإخبارية... وما أقوله الآن ليس رأي الأكاديمي والمحلل فقط، وإنما رأي المواطن العادي أيضا الذي أصبح لا يطيق برامج التلفزة المغربية، التي تغيب عنها النسقية ووضوح الرؤية، فالقائمون على هذا الشأن يصح في حقهم المثل الدارج "تضرب بلا متنيش".

* وماذا عن قناة أفلام والسابعة الامازيغية؟

- تعدد القنوات يجب أن يقترن بمطلب الجودة، أنا ضد أخذ تجارب أخرى ونسخها. أي أفلام ستعرض في غياب الانتاجات الجيدة؟ المشكل ليس خلق قناة وإنما حجم وجودة ما سيبث، وأيضا الاستمرارية، حتى تستطيع المنافسة وإرواء عطش مشاهديها. أما عن قناة الأمازيغية فأنا مع خلقها فجزء مهم من المغاربة أمازيغ، لكن هل تم التخطيط لها ولشبكة البرامج أو المضامين التي ستقدمها؟ هل تم رصد ميزانية من أجل الانتاجات؟ الإجابة عن مثل هذه الأسئلة كفيلة بأن تضعنا في الصورة، وأتمنى ألا تكون للفلكلور فقط لأنها حتما ستلقى مصير أخواتها، فالاختلاف أصلا لا يكون حول الجودة ولكن حول الرداءة.

* كيف يمكن للمغربي أن يطلع على الأرشيف العمومي في ظل غياب نص قانوني؟

لابد من وجود تقننين للحق في التقادم، أي متى سيصبح الاطلاع على الوثائق العمومية مشاعا؟ هل بعد 40 سنة أو 60 سنة يمكن للمواطن معرفة ومناقشة تاريخ بلاده؟ فهناك أحداث وقعت في الماضي لا نعرف عنها شيئا: فمثلا لم يطلع المغاربة على وثائق عهد الحماية ووثيقة الظهير البربري، وأيضا ثورة عبد الكريم الخطابي، ثم ماذا جرى في انتفاضة الأطلس؟ وغيرها... الحقائق التاريخية حول هذه الأحداث غير متوفرة. بالتالي, فغياب هذا القانون يترك المجال مفتوحا لتلميحات في غياب الأدوات، وغياب أجرأة القرار السياسي، وفي ظل هذا الغياب تتكاثر الإشاعة ويشح مورد الصحفي والأكاديمي، وتصبح المعلومة أيضا غير مشاعة ومحجوزة مما يناقض الحق في بلوغ المعلومات.

* (مقاطعا): الحق في المعلومة كمطلب جديد لأنه من قبل كان المطروح هو الحق في الإعلام أليس كذلك؟

- إن الأصل في الحق في الإعلام هو الحق في بلوغ المعلومة، الإعلام بنية حاملة ومضمون، والمضمون هو المعلومة، إذن إن لم يكن لك الحق في النفاذ إلى المعلومة فليس لك الحق في الإعلام. سن قانون لبلوغ المعلومات هو أيضا أحد مداخل الإصلاح، لماذا تمت متابعة صحيفة "الوطن الآن" في شخص مديرها واحد صحافييها بتهمة يسميها القانون الجنائي "إخفاء أشياء متحصل عليها من جريمة" وليس بقانون الصحافة؟ فلو كان الصحافي يتحرك في ظل نص قانوني يعطيه حق الوصول والنفاذ إلى المعلومة لكان حصل عليها بقوة القانون...وبالتالي لم يجرم.

 الأستاذ يحيى اليحياوي: "وثيقة تنظيم البث الفضائي العربي جاءت لفرض خطوط حمر جديدة حاوره المحجوب ادريوش، 10 غشت 2008.

يمكنكم مشاركة هذا المقال