تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"هل فقدت المهرجانات الوطنية بعدها الثقافي من أجل السياحة؟"

المهرجانات بالمغرب نوعان: ثمة نوع يهتم بالفرجة الخالصة، ولا يدعي أن له غايات أخرى غير الترفيه، وإشاعة جو من المرح، يخفف عن الناس بعض همومها وأتعابها وكربها. هي مهرجانات الصيف بامتياز، تقام بالعديد من المدن المغربية (وببعض البوادي أيضا)، سيما ذات الميزة الشاطئية أو القريبة من البحر، أو ذات الجو الملطف صيفا بالجبال أو بالمناطق الداخلية. وثمة نوع ثان، يتطلع من خلاله أصحابه تلميع صورة منطقة أو مدينة أو جهة، على خلفية من البناء على مميزاتها وموروثها الثقافي أو الرمزي أو التراثي، كما الحال مثلا مع مهرجان الصويرة أو مهرجان فاس للموسيقى الروحية أو ما سواها.

بين هذه النمطين، توجد مهرجانات سنوية ذات طبيعة ثقافية، حتى وإن كانت خلفياتها غير ثقافية مائة بالمائة، كما الحال مع مهرجان مراكش السينمائي، أو لقاء أصيلة الذي يثوي خلفه محمد بنعيسى وبلدية المدينة.

بالنوع الأول للمهرجانات، هناك استقطاب مؤكد للسياحة الداخلية، وهو استقطاب قسري إلى حد ما، على اعتبار أن المتواجد بالبحر أو بقرب الجبال غالبا ما يحضر هذه المهرجانات كجزء من برنامجه، وهو متواجد بعين المكان بكل الأحوال. بالنوع الثاني، هناك استقطاب لفصيلة من الجمهور نخبوية، عالمة، تأتي بسياق محدد، وتغادر بمجرد انتهاء المناسبة.

قد نسلم بأننا بالحالة الأولى بإزاء ثقافة شعبية تجد تعبيراتها بهذه المهرجانات، لكنها غير مؤطرة بتصور للمهرجان يجعل من كل أشكال التعبير مادة للمهرجان، سيما فيما يخص المسرح أو الندوات أو المعارض التشكيلية أو ما سواها. المهرجانات من هذا القبيل تقتصر موادها على تقديم تعبير واحد، تعبير المجموعات الغنائية الشعبية في الغالب الأعم، سطحية ومبتذلة في كلماتها، ولا تمس إلا جانبا من "السياح الداخليين" الذين يستهويهم ذلك، فيما الباقون يستهجنون، وأنا ضمنهم جملة وتفصيلا.

بالمقابل، بالمهرجانات النخبوية، يغيب الجانب الشعبي وتحضر الكلمة أو الصورة أو اللقاء المباشر. جمهور هذه الفئة، جمهور متخصص بالغالب، يتحدد مجال اهتمامه في طبيعة المهرجان ذاتها، ندوة أدبية كانت أم ملتقى سينمائيا أم ما سواها. الجمهور هنا محدود للغاية، والخطاب موجه، والغايات والأهداف محصورة بإطار وسياق.

المحصلة أنه بالمهرجانات الأولى، تغيب الثقافة بكل مستوياتها، وتختزل في الشعبي المبتذل منها، ويحضر صنف من الثقافة بالمهرجانات الثانية، لكن لا امتداد له، ولا يستقطب "سياحا" يعتد بهم، اللهم إلا وجوه معروفة يصرف على استقدامها وإيواءها وتعويضها بالمال العام، وبكرم قل نظيره، مقابل البحث في قضايا ضيقة قد يكون الدهر قد أكل عليها وشرب، كالحداثة وحوار الأديان أو حوار الثقافات أو تجديد الشعر العربي أو الرواية أو ما سواها.

لو تسنى لنا أن نعمق الأمر أكثر، لتبين لنا أن البعد الثقافي لم يكن يوما مكمن رهان بالمغرب بصورة عامة، فما بالك أن يكون رهانا لدعم السياحة أو تعزيزها، أو الرفع من منسوب مداخيلها. الثقافة كانت، طيلة الخمسة عقود الماضية، آخر المفكر فيه، بل ولربما أول من كان ضحية السياسات العمومية طيلة هذه المدة. صحيح أن السياحة باتت من مدة أولوية، على اعتبار المداخيل التي تتأتى منها، لكنها سياحة من نوع خاص، لا تتخذ من الثقافة رافدا لها بالمرة.

هناك أسباب لذلك، لعل أهمها أن الذين يمولون هذه المهرجانات (بالصيف أو بالمهرجانات الدورية) لا يولون كبير اعتبار للثقافة، حتى يتخذوا منها رافدا للسياحة، سواء أكانت الدولة مباشرة أم روافدها المحلية والجهوية. إنهم يشهرون من خلالها سلعهم وخدماتهم، ولا يتغيأون استنبات سياحة ثقافية، يستمتع المرء من بين ظهرانيها ويستفيد بالآن معا، كما الحال بالمهرجانات بإسبانيا أو فرنسا أو ما سواهما.

ثم إن المراهنين على هذا الجانب من السياحة يستخفون بالثقافة المغربية، فلا قيمة لها بالفن والموسيقى أمام مطربي الشرق، ولا قيمة اعتبارية لها عندما يكونوا بإزاء التهييء لمهرجان مراكش أو ملتقى أصيلا، حيث الأغيار هم أصحاب الكلمة والاعتبار.

من ناحية أخرى، فالخطاب الرسمي المراهن على السياحة إنما يختزل الثقافة في بعدها الفولكلوري الصرف، ولا يتعامل معها كمكون للهوية والتميز المفروض الدفع به وتقييمه كوسيط لاستقطاب الأجانب، المدرين للمداخيل، عكس السياحة الداخلية المحدودة القدرة والقابلية على استهلاك المنتوج السياحي.

بالتالي، فإن المراهنة على الثقافة بالسياحة إنما يفترض أناسا من طينة خاصة، على النقيض تماما مما نحن بإزائه منذ مدة، حتى وإن لاحت هنا أو هناك بعض ملامح الوعي بأهمية الثقافة في رفد "المشروع السياحي" بالمغرب.

إن مدينة فاس ومراكش وشفشاون والجديدة وآسفي وورززات والرشيدية وطنجة وما سواها، هي مدن سياحية بامتياز، لكنها مكنوز ثقافي بالآن معا، تلميعها وإشاعة مضامينها كاف لوحده لاستقطاب السياح، دونما حاجة إلى إقامة مهرجان أو تنظيم ملتقى.

المقصود هنا إنما القول بأن الذي ينقص السياحة بالمغرب إنما تصور ثقافي، يجعل منها منتوجا محترما، لا بضاعة يستخف بها، حتى من لدن الذين نعتبرهم سياحا، وقد يكونوا شواذا بالمحصلة، أو فوضويين كما بالبوليفار، لكنهم مصنفين ضمن من يدر العملة الصعبة، أو يحتسب ضمن العشرة مليون بأفق العام 2010.

إن المفروض أن نقدم منتوجنا السياحي كما هو، لا كما يريده الآخرون، حتى وإن كانوا مصدر عملة صلبة، لربما يستعيدونها وهم لا يزالون بعين المكان.

* "هل فقدت المهرجانات الوطنية بعدها الثقافي؟"، موقع حراك، مراكش، 2 يونيو 2014.

يمكنكم مشاركة هذا المقال