س: كيف ترى حضور السياسة في المدونات المغربية؟
يحيى اليحياوي: من الصعب أن يميز المرء الجانب السياسي الخالص بالمدونات المغربية، أو الأفراد الذين يثوون خلفها، بحكم أنهم يستخدمون في الغالب الأعم، أسماء مستعارة. المدونات بالأصل لم ينشئها أصحابها لغرض سياسي، حتى وإن كان هذا الجانب حاضر وطاغي في بعضها. المدونات هي عبارة عن آراء شخصية وانطباعات وتأملات، يغلب عليها العنصر الذاتي. هي، إلى حد بعيد، مذكرات يومية، قد تقتصر في العديد من الحالات على تسجيل ما عايشه المدون أو ما رآه، أو ما أثر فيه، أو ما راوده. وهي من هنا اقرب إلى السيرة الذاتية اليومية، منها إلى الموقع الثقافي أو السياسي أو الفلسفي الذي عهدناه.
بالتالي، فالبعد السياسي هو بعد من الأبعاد وليس البعد المهيمن. ويتوخى من ورائه صاحبه إبداء رأيه في الشأن السياسي الجاري بالمختصر، دونما وضع المسألة في سياقها أو تأطيرها نظريا، على اعتبار أن المدونة لا تستلطف كذا مقاربات. بمعنى أنه ليست تحليلا ذو خلفية سياسية، بل ممارسة السياسة كطقس يومي عابر أو مار.
بمطالعتي لبعض المدونات، يبدو لي أنها لا تخرج كثيرا عما يروج بالواقع المعاش، أو ما يكتب بالصحافة. الفارق هو الحدة النسبية للنبرة، والجرأة المتقدمة في إبداء الرأي، وهو غالبا ما يكون حكم قيمة من لدن صاحبه، أكثر ما هو تحليل متوازن. بهذا الجانب، يدرك المدون هدفين: أولا، إبداء رأي له لا يستطيع تصريفه بالمنابر التقليدية، بحكم الطبيعة الحزبية للعديد من هذه المنابر. وثانيا، أن المدون بإمكانه تدوين رأي في حالة يكون معايشا لها عن قرب، ولا يحتاج فيها إلى طرف ثالث، كما حال المراسلين مثلا بالصحافة التقليدية.
هذه المدونات تتغيأ إذن تكسير احتكار منابر وأحزاب وتنظيمات لا تمرر إلا ما يتعلق بها، وتستنكف عن تمرير الآراء المعارضة أو المشاكسة، وهذه المدونات مشاكسة إلى حد بعيد، وقد يذهب المدون بجريرتها اعتقالا أو محاصرة، أو إغلاقا للمدونة جملة وتفصيلا من لدن السلطات.
س: هل تعتقد أن المدونين المغاربة أضحوا قوة مؤثرة في صناعة القرار، أو التأثير عليه كما هو الشأن في مصر مثلا؟
يحيى اليحياوي: لم أعثر بالمغرب على حالات مدونين من قبيل زهير اليحياوي الذي مات بالمعتقل بتونس، جراء ما سجله بمدونته من فضائح وفظاعات. ولا على الحالات العديدة للمدونين المصريين الذين توبعوا وحوصروا ومنعت مدوناتهم. هناك مدونات بالمغرب بها صبيب لابأس به من الجرأة، لكنه لا يخرج كثيرا عن المألوف، وبعضها، مرة أخرى، لا يزال يعتمد أسماء مستعارة، ولا يملك القدرة على الاشتغال بوضح النهار، بسبب التخوف من المتابعة على أساس من هذه الخلفية أو تلك.
بالتالي، فمن المتعذر حقا تحديد مدى إسهام هذه المدونات في صنع القرار أو التأثير فيه شكلا أو مضمونا. وإن كانت مدونة رشيد جنكري قد خلقت حادثا في يوم من الأيام، فأتصور أن التراكم لا يزال ضعيفا حتى يمكن القياس عليه.
المدونون المغاربة لا يحتكمون لمرجعية في الفعل السياسي جماعية، حتى يكون بمقدورهم المساهمة في صنع القرار، أو التأثير فيه. كل واحد منهم يشتغل لوحده، دونما تنسيق في إطار فعل مشترك. هي نقطة ضعف، لكنها لربما نقطة قوة بالآن ذاته، إذ قد يكون من شأن تحولهم إلى نموكلاتورا أن يقع لهم ما يقع بين الممارسين بالمنابر التقليدية من احتراب ومزايدات وانشقاقات.
بالمقابل، ففي ضعف الأحزاب السياسية، وتردي وضع النقابات، واستلاب معظم المثقفين وما يسمى بالمجتمع المدني، فإنه بإمكان هذه المدونات أن تتحول مع الزمن إلى قوة إذا لم يكن في صنع القرار، فتأكيدا بجهة التأثير فيه. وهذا هو المراهن عليه، سيما عندما تتعمم المعرفة، ويزداد ارتباط المغاربة بالشبكة، وتنخفض مستويات الأمية ويعاد الاعتبار للسياسة.
لكن المطلوب، لو كان التوجه كذلك، أن تعمد هذه المدونات إلى التزام المصداقية والمراهنة على أخبار القرب، واعتماد الحد الأدنى من الجمالية لاستقطاب القراء، عوض أن تبقى في شكلها الحالي ولكأنها سويقة تعرض كل شيء. أزعم أن هذا الجانب سيتقوى مع الزمن، سيما وقد أضحت مصدر أخبار العديد من المنابر المكتوبة التقليدية.
س: هل تواكب هذه المدونات ما يعرفه المغرب من تطورات وحراك سياسي؟
يحيى اليحياوي: ليس ثمة حراك سياسي حقيقي بالمغرب يستحق أن تعكسه هذه المدونات أو غيرها. ما نراه يوميا، سيما وقد اقتربت الانتخابات، هو تعبير عن واقع أزمة، وليس حركية سياسية محكومة بتنافس منظومات، وتصارع طبيعي لبلوغ السلطة وتنفيذ ما تم الانتخاب على أساسه.
المشهد السياسي متردي بكل المقاييس، بات المواطن العادي يدركه فما بالك بالمتتبع كالمدونين مثلا أو غيرهم. هي بالتالي، أو جزء منا على الأقل، تواكب هذا المشهد في ترديه، وأزمته، وغياب المصداقية والجدية من بين ظهرانيه. وأنا يوما تساءلت ولا أزال أتساءل: هل يستحق المشهد السياسي بالمغرب (بعبثية فاعليه) أن يقف عنده المرء ملاحظة أو مواكبة؟
12 يونيو 2008