تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الترفيه في رمضان.. وإعادة إنتاج الرداءة

القنوات المغربية ترى رمضان شهر تعب وملل

الترفيه في رمضان.. وإعادة إنتاج الرداءة

حسن الأشرف

اتسمت المواد الإعلامية المقدمة بالملل والفتور

اعتبر خبراء ونقاد مغاربة أن وسائل الإعلام المرئية بالمغرب والدول العربي الأخرى تنظر إلى الشهر الفضيل كونه شهر كلل وفتور؛ لهذا تحرص على تجييش مجموعة من البرامج الترفيهية التي تسعى لإضحاك الجمهور، ومن أجل الترويح عن الصائم باعتبار أن الفكاهة هي الضحك، مؤكدين أنها رؤية خاطئة ولها من التأثير السلبي الشيء الكثير على منظومة القيم بالمجتمع المغربي.

وأكد هؤلاء المراقبون أن نظرة هذه القنوات التلفزية إلى رمضان بكونه شهر نكد وتعب، هي نظرة ما تزال قاصرة تجاه ما يعرفه البلد من تحولات عولمية جارفة، لكن يبقى هدفها تجاريا محضا باستغلال شهر "ديني" وهو ما يتأكد بعد مرور أكثر من عشرين يوما على شهر رمضان المبارك.

الفكاهة ليست ضحكًا

وانتقد الخبير الإعلامي المغربي الدكتور يحيى اليحياوي ما يبث في القنوات التلفزية المغربية خلال رمضان من مواد ترفيهية، مبرزًا أن ما يقدم بالتلفزة المغربية ـ ذات البث الأرضي أو الفضائي لا يمت للمواد الفكاهية بصلة؛ حيث إن المواد المقدمة مباشرة بعد أذان المغرب أو طيلة الليل لا تتوفر فيها ذات المواصفات بالجملة والتفصيل.

وأضاف اليحياوي في حديث لإسلام أون لاين.نت أن هذه الملاحظة طالما نبه إليها، وطالب بأن تصاغ المواد ببعض من الجدية والمهنية حتى تلقى رضا الجمهور في شهر كل القنوات تراهن فيه على المشاهدة وكسب ود المشاهد.

وأكد الخبير المغربي أن خاصية المسلسلات المقدمة والبرامج المصاغة خصيصًا لهذا الشهر هي الرداءة والميوعة والنزول بالذوق العام مضمونا وعلى مستوى اللغة المستعملة: "هذا أمر لاحظناه خلال السنوات الخمس الماضية، وراهنا على أن يتم الاعتداد به، لكننا نكون كل سنة إزاء إعادة إنتاج الرداءة إلى ما لا نهاية، كأن الأمر مقصود ومرتب له ومراد في حد ذاته".

وفند اليحياوي التصور القائم لدى المشرفين على التلفزيون بالمغرب ومفاده أن الفكاهة هي الضحك، وعلى أساس ذات التصور تصاغ السيناريوهات، موضحًا أن الفكاهة هي عمل يكون الضحك أحد أدواته ليس إلا، فيما باقي الأدوات تخصص للترفيه والإفادة واستنبات طقوس الفرجة الجماعية في مضمون المادة كما في طريقة عرضها.

وخلص اليحياوي بالقول متأسفا: "بالتالي، أنا شخصيا فقدت الأمل في سبل الإصلاح مادام القائمون على الشأن التلفزي متشبثين بتصور خاطئ".

تسلية الصائم

ويلاحظ المفكر المغربي المقرئ الإدريسي أبو زيد في حديث مع إسلام أو لاين.نت أن البرامج الترفيهية تكون بعد الإفطار، فإذا كان المقصود هو مساعدة الصائم على تسلية وقته، فالأولى أن تبث تلك المواد التلفزية في نهار رمضان لا في ليله، باعتبار أن مسئولي البث يركزون على ساعة الذروة، وهي الإفطار وصلاة العشاء والتراويح.

وهذا يعني ـ وفق المتحدث ـ أن الغرض الرئيسي من بث هذه البرامج في هذه الساعة هو شغل الصائمين عما هو أهم من مشاهدة مواد ترفيهية خاصة في شهر فضيل يتطلب من المؤمن الانتباه إلى عدة مناحي في حياته وعبادته تعود عليه بالنفع الأكيد عوض التسمر ساعات طوال أمام التلفزة لتجرع رشفات زائدة من برامج ترفيهية كثيرة.

ويضيف المفكر المغربي: "لعل نظرة وسائل الإعلام المرئية المغربية لرمضان تسير في اتجاه اعتباره شهر كلل وفتور، لهذا تحرص على تجييش كتيبة من المسلسلات والبرامج الترفيهية من أجل الترويح عن الصائم، وهذا استنتاج خاطئ ولم يستدل عليه استدلالا علميا، وبالتالي ليس هناك ما يستدعي توجيه القنوات التلفزية كل جهودها وطاقاتها من أجل وضع المشاهد في سلبية تامة من خلال مشاهدة تلك المواد الترفيهية تباعا"..

رؤية التلفزة لرمضان

أما الكاتب والناقد الإعلامي "عزيز باكوش" فيرى أن نظرة التلفزيون إلى الوقائع والأحداث في رمضان وحتى في غيره هي نظرة نكد وتعب "بالمعنى الكيدي للكلمة"، وهي نظرة ما تزال قاصرة تجاه ما يعرفه البلد من تحولات عولمية جارفة، متسائلا على سبيل المثال: كيف للتلفزيون المغربي لم يستطع إنجاز عمل فني يحكي جزءا من حياة مقاوم كبير من عيار عبد الكريم الخطابي طيلة 50 سنة من الإرسال والبث.

وأكد باكوش "أن نظرية الإغراق في الإسفاف وموجة الترفيه هي سياسة معتمدة تتوخى تسطيح الذاكرة ومسخ الأذواق وتشويه التاريخ وتهجير كل ما هو جاد، وهي على الأرجح إستراتيجية مرسومة للإجهاز عن كل ما هو راق في ذاكرتنا الجماعية" على حد تعبير المتحدث.

ويعلق باكوش على موضوع تكثيف القنوات التلفزية لبث برامجها الترفيهية، التي يتخللها كم هائل من الإعلانات التجارية تقصف بها المشاهد المغربي طيلة شهر رمضان، بكون "الهدف تجاري محض والوسيلة دينية"؛ لأن رمضان شهر العبادة والغفران يعرف وقت الذروة سواء في المساجد والحدائق والأسواق التجارية، مشيرًا إلى أن المنافسة على أشدها بين "الهولدينغات" العملاقة التي تسيطر على الرواج وسوق التداول، فثمة 36 مليون مشاهد داخل الوطن ـ يضيف الناقد ـ الجزء الأكبر منه أمي، فيما البعض الآخر تنهكه البطالة والفقر حيث بات بلا أفق، وهي فرصة ترويجية ذات قوة كسب خارقة".

تأثيرات الترفيه المفرط

ولهذا الاستهلاك المفرط للمواد التلفزية الترفيهية في رمضان تأثيرات ملموسة على الجمهور لكونه المتلقي المباشر لها، وهو تأثير بديهي إلى حد بعيد، يقول الخبير الإعلامي يحيى اليحياوي، ذلك أن هذا التأثير يطال منظومة القيم بالتأكيد على اعتبار الطابع "الحداثي" الذي تقدم به هذه المواد، كما أنه يطال الذوق العام؛ إذ ينزل به عوض أن يرفع من منسوبه لدى الفرد والجماعة.

وأردف اليحياوي أن التأثير يمس اللغة أيضا بحكم الدارجة الماسخة التي غالبا ما يتم التصنع لابتكارها على النقيض من الدارجة المغربية الجميلة التي نعرف في المسرح أو أدب الملحون، أو باعتبار اللغة الفرنسية الممررة لإيديولوجيا الفرنكفونية المتجاوَزة.

ويسترسل اليحياوي: أنا لا أقول بغياب الفنانين والكتاب المتميزين، لكن المشكلة أنهم غالبا ما يستبعدون لفائدة دخلاء على الميدان، باتوا من زمن طويل يصولون ويجولون دون رقابة أو تقييم جادين، مشيرا إلى مسألة تردد نفس الوجوه كل شهر رمضان على الرغم من رفض الجمهور لأدائهم باعتراف القائمين على القناتين ذواتهم!!

صحفي مغربي مهتم بالشأن الثقافي.

إسلام أون لاين، 23 شتنبر  2009

يمكنكم مشاركة هذا المقال