تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

يحيى اليحياوي عن "مواقع التواصل الاجتماعي"

+كيف تقرؤون التطور الحاصل على مستوى طريقة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي خصوصاً "فايسبوك" من موقع للدردشة والتواصل إلى فضاء للرقابة والانتقاد؟

جواب: وظائف الشبكات لا تبرز للوهلة الأولى. إنها تبرز بالتدريج وحسب الحاجة. ويبدو أن الحاجة، بهذه الحالة، هي التي نقلت الاستعمال والممارسة الاجتماعية لهذه الشبكة التي تدعى تجاوزا شبكة التواصل الاجتماعي. يبدو هنا أيضا أن وظيفتي الدردشة والتواصل الشخصي الصرف قد استنفذتا، وبدأ المبحرون يبحثون عن وظائف جديدة أكثر إثارة ونجاعة، فكان الفايسبوك هو الذي يخدمها باعتباره "تقنية" واسعة الانتشار، مضمونة الأثر.

قد لا يكون كل هذا مهما. أعتقد أن المهم أن هذا التفاعل مع شبكات التواصل الاجتماعي يعبر في حد ذاته، عن اهتمام الناس بالشأن العام ومتابعة القائمين عليه. ويعبر أيضا عن ترهل البنيات التقليدية التي كانت تقوم بهذا الدور كالأحزاب والنقابات والجمعيات وغيرها. بظل هذه الشبكات بات المواطن فاعلا إلى حد ما، واستطيع أن أقول بأنه قد بات أداة رقابة لربما ستتقوى بمرور الوقت إن عرف أصحابها كيف يوظفونها لخدمة هذه الرسالة أو تلك.

من جهة أخرى، فأنا أتصور أن العيب في غياب الديموقراطية، أو حتى بظل النظم الديموقراطية، أن العبرة ليست بالانتقاد ووضع اليد على مكامن الخلل. العبرة بتجاوب المسؤولين مع هذه الانتقادات، والرد عليها والتحقيق فيها، إن كانت خلفياتها مزايدات أو تصفيات حساب أو ما سواها. ولذلك أعتقد أن ما يدور بالفايسبوك مثلا هو مهم وضروري، لكنه غير كاف إذا لم يتم التعامل معه بإيجابية ومسؤولية.

الفايسبوك "تقنية" كباقي التقنيات، إن استطعنا تطويعها وجعلها جزءا من ممارستنا، فإنها ستخدمنا، وإن نحن اتخذنا منها زينة أو بهرجة، فستضرنا لا محالة. أقول هذا لأني أدرك جيدا مدى الانبهار الذي يعترضنا عند ظهور أية تقنية، وكيف أننا لا نتخذ من توظيفاتها المسافة الكافية لتجنب مخاطرها وأعراضها. وهذا يستوجب درجة معينة من الوعي ومن المناعة، وإلا لسقطنا حتما في المحذور.

+هل رواد مواقع التواصل الاجتماعي عموماً و"فايسبوك" خصوصاً في درجة الوعي لممارسة الرقابة السياسية؟

جواب: المفروض أن يكونوا كذلك، وإلا لتحولت الشبكة إلى تحامل وقذف وتشهير ومس بحياة الناس الخاصة. لكن القائم فيما أظن أنه حتى لو كان ثمة منسوب من الوعي العام، فإن ذلك غير كاف لممارسة ما تسميه بسؤالك بالرقابة السياسية. يجب أن يكون الفرد متأكدا من جدية ما يروج، من تحققه مما يروج بحسابه ويطلع عليه الآخرون، من التحوط الكبير كي لا يسقط في الإشاعة أو المس بأعراض الناس بالقيل والقال. دوره هنا لا يقل عن دور الصحفي الذي تفترض فيه النزاهة والحيادية والموضوعية وقبل كل ذلك التثبت من الخبر، كمعطى وكمصدر.

من جهة ثانية، يبدو لي أن الأمر لا يزال سابقا لأوانه حتى نتحدث عن قدرة شبكات التواصل الاجتماعي على ممارسة نوع من الرقابة السياسية. فالشبكة لم تنشأ أصلا لهذا الغرض. وهي ليست مؤسسة قائمة الذات، لها أدوات في تصريف الخطاب بهذا الشكل أو ذاك. إنها تبقى عملا أقرب للعشوائية منه إلى التنظيم. لذلك، فالادعاء بتحويلها إلى سلطة مضادة هو أمر مبالغ فيه نسبيا، ليس فقط بحكم محدودية انتشارها، وانحصارها في من لديهم سبل بلوغ الشبكات، ولكن أيضا لأن التقنية عنصر مساند وليست عنصرا حاسما. وهذا أمر لربما يطول الحديث فيه.

+هنالك من يقول إن المواطن المغربي انفتح على مواقع التواصل الاجتماعي متأخراً، في نظركم كيف يمكن تعويض ما فاته، وفيم يمكن توظيفه؟

جواب: لا أظن ذلك. فلا يمكن أن نتحسر على تأخر دخول السيارة بالمغرب، ولا أن نأسف على الزمن الذي كنا نتنقل فيه بالدواب وعلى الأرجل. أتصور بهذه النقطة، أن الأصل هو الاستعمال والاستخدام. فلو استطعنا توظيف العديد من المستجدات توظيفا لائقا لتداركنا الكثير من الصعوبات. خذ مثلا شبكة الإنترنيت. إنها منجم من المعلومات والمعارف والمعطيات. هل نفيد منها حقا؟ هل يلج أبناؤنا المواقع المعرفية الجادة؟ هل يلجوا مواقع المكتبات والموسوعات لتحميل الكتب والدراسات؟ أنا أشك في ذلك. ولهذا السبب فإني أنصح بأن نعلم أبناءنا كيف يبحثون عن المعلومة وعن المعرفة بهذه الشبكة، عوض أن يتخذوا منها أداة للتسلية وإضاعة الوقت. أنا لا أخشى من هذه الشبكات، بقدر ما أخشى من تبعاتها. وهذا أمر آخر لربما نتطرق له بمناسبات قادمة.

جريدة المشعل، 28 دجنبر 2014

يمكنكم مشاركة هذا المقال