تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الخبير الإعلامي يحيى اليحياوي للشروق: "عن أزمة الصحافة الورقية في ظل الشبكات الرقمية والإنترنيت"

السؤال الأول:  شاركت مؤخرا في مؤتمر حول "مستقبل النشر الصحفي والتطورات في شبكة الإنترنيت" بالرياض. هل تعتقد أن الصحافة الإلكترونية تهدد فعلا الصحافة الورقية، إلى درجة الحديث عن "انتقال مشعل" القراءة من الأولى نحو الثانية؟

يحيى اليحياوي: أنا لا أستحب كثيرا مسألة التقاطب على خلفية من الجديد والقديم، أو المتقادم والمستحدث، في العلوم الإنسانية عموما، وفي مجال تاريخ التقنيات بالتحديد. هي تقاطبات اختزالية، وإلى حد ما انطباعية. ودفوعاتي في ذلك، أن تاريخ تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال هو تاريخ تراكمي، أي يرتكز اللاحق من بين ظهرانيه على السابق، ويكون له الامتداد في الزمن والمكان. والدليل أنه لم يثبت أن قوض مستجد تكنولوجي لاحق مستجدا سابقا، إذ الإذاعة لم تقل الصحافة الورقية، والتلفزة لم تقوض الإذاعة، والإنترنيت بدوره لن يقوضها جميعا. هذه هي الفكرة الأولى التي دفعت بها في مداخلتي بمؤتمر الرياض، عن "مستقبل النشر الصحفي"، نهاية شهر ماي الماضي.

الفكرة الثانية التي قدمتها بهذا المؤتمر، تمثلت في محاولتي دحض مبدأ أن الشبكات الرقمية، والإنترنيت تحديدا، هي التي ثوت خلف أزمة الصحافة الورقية. لقد اعتبرت أن أزمة الصحافة هي أزمة سابقة على ظهور ذات الشبكات، ولم تعمد هذه الأخيرة إلا على تأجيجها وتعميقها. بمعنى أن أزمة انحسار المقروئية، وتراجع الإقبال على الجرائد سببه الجزئي، انفجار القنوات الفضائية، وأيضا بلوغ معظم الأسواق الإعلامية مرحلة في الإشباع، لم يعد معها من سبيل لضمان الربحية المطلوبة، سيما بتراجع منسوب الإعلان والإشهار، أو هكذا يقال.

الشبكات الرقمية، والإنترنيت على وجه الخصوص، عمقت ذات الأزمة، على اعتبار انتقال معظم الصحف الكبرى لركوب ناصيتها، والتقاط الإعلان عبرها، لدرجة ذهاب بعض الجرائد إلى حد التبرم نهائيا عن الصيغة الورقية، كما الحال مع جريدة كريستيان ساينس مونيطور.وسببها في ذلك تراجع الطلب عليها، وتقلص منسوب الإعلان، ففضلت الانتقال للشبكة تجاوزا على التكاليف، وأيضا تطويرا لمبدأ القرب، حيث بإمكان المعلن أن يطلع بدقة على من يرى سلعه وخدماته، عكس الصيغة الورقية التي لا تمكن ذلك إلا نسبيا.

بالتالي، فالإنترنيت لم يقوض الصحافة المكتوبة، لفائدة صحافة النيت، بقدر ما أسهم في إعادة النظر في طبيعة الحامل، وفي تموقع الصحيفة بإزاء قرائها والمعلنين عبرها، مع الإسهام في توسيع رواجها بكل جهات العالم، دونما تكاليف شحن، أو إكراهات جمركية، أو تعذر التوزيع هنا أو هناك. وهذه إيجابية أفادت الورقي أكثر ما أضرت به.

الفكرة الثالثة التي طرحتها للنقاش، هو الزعم، زعمي الخاص على الأقل، بأنه كائنة ما تكن الحوامل، ورقية أم ألكترونية أم بالصوت والصورة، أم بها مجتمعة، كما الحال بفضل الإنتريت، فإن الرسالة الإعلامية هي هي، لم ولا تتغير. ووظيفة الإعلام الأساس، من إخبار وترفيه وتثقيف، تبقى هي المحك. بالتالي، فإذا لم تكن الرسالة هاته ذات مضمون مفيد ومطلوب، فإن الحامل لن يهم كثيرا، حتى وإن كان قويا قوة الشبكات الألكترونية.

السؤال الثاني:  ألا يحيل مجرد الحديث عن "مستقبل النشر الصحفي" على اعتراف ضمني من قبل المسؤولين بتحديات جمة تواجه النشر الورقي، بكل القلاقل السياسية والثقافية والحقوقية اللصيقة بهذه التحديات؟

يحيى اليحياوي: ثمة حقا بعنوان المؤتمر، تلميحا إلى أن مستقبل الصحافة موضوع على محك طفرة تكنولوجيا الإعلام والمعلومات، ليس فقط بسبب الشبكات الرقمية والإنترنيت، ولكن أيضا بسبب اندماج الحوامل، وامتطاء المعلومات لأكثر من ناصية تقنية، سيما الأقمار الصناعية والهواتف الجوالة. أنت محق في هذه الملاحظة، ولربما كان الأولى أن يصاغ العنوان ببعض من الاستفهام، للتعبير عن التحفظ والتعاطي مع المسألة بنسبية.

أنا صراحة تعاملت مع الطرح بمسافة، وعلى خلفية من الاعتقاد بأن المستجدات لا تقوض بعضها البعض، بل تكملها وتضيف إليها وظائف جديدة، ولك أن تلاحظ كيف أن الإنترنيت مثلا والويب الثاني حصرا، أضاف إمكانات لم تكن متاحة من خلال دمجه للمعطى والصوت والصورة. الشبكات الألكترونية تضمن الآنية، وتتيح سبل تحيين المعلومات، وتمنح منسوبا مرتفعا من التفاعلية، ورجع الصدى في التعليق والرد، لدرجة بدأ البعض يتحدث معها عن المستهلك الذي ينتج المعلومة بالآن ذاته.

بالمقابل، فالأمور لم تستقر بعد، والتموجات لا تزال قائمة، وأجيال الإنترنيت لم تتجسد كلها بعد، بالتالي يتعذر الحكم بقطعية عمن ستكون له الغلبة بالمستقبل، الورقي أم الألكتروني. ثم إن الإحصاءات تبين أنه في العام 2008 مثلا، ارتفعت مبيعات الصحف اليومية بنسبة 1.3 في المائة في العالم، لتصل إلى 539 مليون نسخة يوميا، في حين أن الزيادة على أربعة أعوام بلغت 8.8 في المائة. صحيح أن هذا التحسن تم تسجيله في إفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا، سيما بالهند والصين، في حين تواصل التراجع في الولايات المتحدة وأوروبا، لكن المؤشرات لا تعبر بالمجمل عن أزمة جوهرية كبرى، أعني أزمة في هوية الصحافة الورقية.

نفس الشيء بالنسبة للإعلان، إذ تراجع بما نسبته 5 بالمائة في العام 2008، لكن الصحافة المكتوبة والمطبوعة تبقى وسيلة قوية للاعلانات، إذ أنها تجذب 37 في المائة من مجموعة الإعلانات، في مقابل 10 في المائة فقط للانترنت.

أنا أزعم مرة أخرى، بأن العبرة بالمضمون وبالمحتوى، وبهدف الرسالة الإعلامية. هي لربما العناصر التي سيتم الاحتكام إليها، للحسم في إشكالية الورقي والألكتروني بعالم الصحافة.

السؤال الثالث: هل يمكن اعتبار الفضاء الإعلامي الإلكتروني تحديا جديدا أمام الأنظمة العربية بحكم دنو مستويات الرقابة في هذا الفضاء؟

يحيى اليحياوي: محاولة معرفة ما يروج بال 500 مليار من الصفحات المتاحة بالإنترنيت (ناهيك عن الويب الخفي) أمر مستحيل، ولا يمكن تحقيقه كائنة ما تكن قوة الدولة، أو نجاعة مصالحها الاستخباراتية أو التجسسية أو ما سواها، ليس فقط بزاوية الاطلاع عليها، ولكن أيضا بزاوية تصنيف مضامينها وتصفيفها وترتيبها وهيكلتها وتخزينها بغرض وضعها أمام صاحب القرار. هذا أمر يتجاوز على الحواسيب والبرمجيات المعلوماتية، فما بالك بالجنس البشري المحدود القدرات، حتى بظل تفضيله من قبل الله تعالى على باقي الخلق.

إذا كان هذا الأمر صحيحا بالنسبة للدول الكبرى، بكل ما أوتيت من قوة وتفوق تكنولوجي، فكيف لدول عربية لا تملك من ذلك شيئا يذكر، ولا تزال تشتغل وفق منطق المراقبة المباشرة، والرقابة المعتمدة على التقارير الورقية البدائية؟ ثم هل ثمة من طريق لفرز الأهم من هذه المعلومات من المهم، الأفيد من المفيد؟ هذا أمر غير ممكن بالمرة، حتى بظل التعاون الدولي الذي نراه مثلا بناحية محاربة الإرهاب، أو محاولات الحد من الجريمة، بكل أشكالها الواقعية كما الافتراضية.

من ناحية أخرى، نلاحظ أن العديد من المواقع بالإنترنيت رفعت التحدي بوجه الدولة، وباتت قوة ضغط حقيقية بوجهها. وهو ما يمكن أن نلحظه ليس فقط بفضل التكاثر الغير مسبوق للمدونات، بل وأيضا بفضل مواقع اليوتوب والفايس بوك والماي سبايس، وما سواها. وقد لاحظنا بالمغرب مثلا، كيف أن اليوتوب أحرج الدولة المغربية، ولا يزال يحرجها في ملفات الرشوة أو حقوق الإنسان أو ما سواها.

أنا أتصور أن الحكومات العربية، ولربما أيضا كل حكومات العالم، أضحت عنصر المعادلة الأضعف. فلا قوانينها الداخلية ولا تشريعاتها ولا لوائحها بقادرة على صد أشكال الاحتجاج والعصيان والتشهير المبرر، الذي بدأت العديد من المواقع الافتراضية ترفعها بوجهها ليل نهار. إنها مطالبة بإعادة النظر في هذه القوانين والتشريعات واللوائح، لتتماشى مع الوافد الجديد، وهذا أمر يتجاوزها، على اعتبار تعذر تقنين مضامين الشبكة، وضمان الحد الأدنى لحكامتها. أو هي مطالبة بتوسيع مجال الحريات، لتقول لهؤلاء بالجملة والتفصيل: ها هو بيتي من زجاج، وبالزجاج أتحصن، وهذا أمر لن تستطيعه الحكومات العربية، بحكم عصيها على التحول والتغيير، بأرض الواقع، فما بالك أن تتحول بالأزمنة الافتراضية المتقدمة.  

السؤال الرابع: ما هو المحك الذي يمكن أن يحسم في مستقبل الصحافة الورقية والإلكترونية خلال السنين القادمة؟

يحيى اليحياوي: أنا من رافعي طرح أن العبرة بالمضامين والمحتويات، لا بالأعتدة والأدوات. فالمضمون الجيد والرسالة الجيدة، تتجاوزان على الحامل، أيا تكن قوته ونجاعته وقدرته على الاختراق. هذا صحيح في اعتقادي إلى حد ما، لكن شريطة أن يتم إعمال مبدأ التفاعلية، وتمكين المتلقي من سبل التعليق والرد. هذا الجانب، جانب التفاعلية، متاح بالصحافة الألكترونية، لكنه غير قائم بما فيه الكفاية بالصحافة الورقية.

ثم هناك جانب التحيين الذي للصحافة الألكترونية جانب السبق فيه، سيما فيما يتعلق بالأخبار المالية وأخبار البورصات والقضايا الاقتصادية الجارية. الصحافة الألكترونية لها سبق بهذا المجال، على الرغم من اعتماد العديد من الصحف الورقية على أكثر من طبعة في اليوم.

إلى جانب كل ذلك، لا تزال إشكالية المجاني والمؤدى عنه مطروحة بقوة، بالصحافة الورقية كما بالألكترونية. بمعنى أننا نجد الصيغتين معا بالورقي كما بالألكتروني، لكن يبدو أن حجم الإعلان ومنسوبه هو الذي سيحسم هذا الإشكال وإن بطريقة جزئية.

بظل كل ذلك، أنا أتصور أن المحك الحقيقي سيكون طبيعة الرسالة الإعلامية، ومدى قربها من حاجة المتلقي، وأيضا مستوى المهنية، كي لا أقول الأخلاقيات التي ستحكم هذين الرافدين.

جريدة الشروق، 15 مارس 2010

يمكنكم مشاركة هذا المقال