إن من يتصور أن قناتي القطب العمومي تشتغلان وفق مبدأ المهنية والقرب هو واهم بالمطلق. القناتان عموميتان، وطبيعة برامجهما، كما الأخبار التي تمرران لها محكومة بقوة باعتبارات لا علاقة لها بالإعلام بالمرة. إنهما تشتغلان على أساس من منطق المحاباة والزبونية، لا بل وتخضعان لمبدأ التوجيه عن بعد. وهذه أمور معروفة ولا مجال للتفصيل فيها.
حزب علي الهمة، حزب إداري بامتياز، إذا لم يكن بتركيبته الداخلية، فتأكيدا بالغايات والأهداف التي أنشئ من أجلها، في ظل مشهد سياسي بوار. هو بالتالي حزب/محمية، لا يستطيع أحد أن يرفض له طلب، فما بالك أن يقف بوجهه. وأزعم أن للحزب من الإمكانات والموارد ما يمكنه من استقطاب إعلاميين مباشرة، أو استدراجهم بالتلفزيون للتعبير عن مواقفه وآراء المنتمين إليه. وهو أمر يسهل التحاجج بشأنه، حتى بغياب إحصاءات تبين نسبة تواجده، لكنه متواجد بقوة بهذا الشكل أو ذاك.
قد يقول قائل بأن الحزب ظاهرة فريدة بالمشهد السياسي، على الأقل من زاوية ارتباط صاحبه بالقصر، فوجب بالتالي تسليط الضوء عليها، وإعلام الجماهير بالجديد لديه كأفكار أو مشاريع أو ما سواها. لكن هذا غير قائم بالمرة بالنسبة لهذا الحزب، الذي وصفته مرة بأنه حزب لقيط بكل المقاييس المعتمدة.
إن الأحزاب الإدارية بالمغرب، منذ سبعينات القرن الماضي، غالبا ما كانت تتمتع بنفس النفوذ وتتوفر على نفس الإمكانات، وهي بطريقة أو بأخرى إمكانات دولة، ومصادر متأتاة من الأعيان، إذا لم يكن من مرتزقة يحاولون التقرب من الوافد الجديد بغرض تحصيل بعض من الغنيمة.
تسألني عن احتجاج الأحزاب ومطالبتهم بإعمال مبدأ التساوي في التغطية، وهذا أمر معقول، إلا أن هذا بالأصل من وظيفة الهيئة العليا للاتصال السمعي/البصري، وإلى حد ما من بعض اختصاصات الداخلية، التي تعمل على ألا يكون ثمة تجاوز أو توظيف لإمكانات الدولة بظل الحملات الانتخابية.
وأزعم أن الذي يجري يبين بجلاء خطورة منح الفاعلين السياسيين لمحطات إذاعية وتلفزية بالمستقبل، وإلا سيتحول المشهد برمته إلى أقنية للمزايدة والضرب تحت الحزام، بصرف النظر عما يسمى هنا وهناك بالمصداقية والحيادية وأخلاقيات المهنة.
أنا كنت دائما من مناهضي استخدام الأحزاب السياسية لوسائل الإعلام العمومية، اللهم إلا في المواجهات المتلفزة. والسبب في ذلك باعتقادي، أن القيمة المضافة لمرور العديد من هؤلاء شبه منعدمة، لا بل ومقززة في بعض من صورها. إذ يأتي كل من هب ودب ويغوص في قراءة رديئة لما بين يديه، أو ينجر إلى الخطاب الشعبوي الفارغ من المضمون. وإلا فقل لي ماذا حملت لنا أحزاب الإدارة منذ تم إنشاؤها أواخر القرن الماضي.
مرة أخرى، أقول إن الدولة والهاكا مطالبين بأن يراقبا التجاوزات، ويحفظوا هيبة المرفق العام.
جريدة التجديد، 10 يونيو 2009