تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

يحيى اليحياوي لجريدة المساء: "عيب الهاكا من خلقتها"

السؤال الأول: كيف تقيمون تجربة الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري؟

يحيى اليحياوي: هذا سؤال عريض ليس بمستطاعي الإجابة عليه هنا، لأنه يتطلب استحضار ما يناهز عشر سنوات من اشتغال الهيئة. ويستوجب أيضا اعتماد مجموعة معايير موضوعية لتقييم عمل هذه المؤسسة، على الأقل من زاوية أهدافها أو الغايات التي أنشئت من أجلها.

ومع ذلك، فبتقييم أولي مؤقت، يمكن للمرء أن يقول بأن الهيئة استطاعت حقيقة أن تسوي وضعيات كانت غير قانونية من ذي قبل، كما الحال مع ميدي 1 وقناة الحرة، واستطاعت أن تضع دفتر تحملات لبعض القنوات العمومية، وأن تخضعها لمجال رقابتها على مستوى المضمون، لا سيما عندما أصدرت بعض "الأحكام" لردع هذه المحطة الإذاعية أو تلك، لإنصاف هذه الجهة المتضررة أو تلك. بهذا الجانب، يبدو لي أن الهيئة نجحت في إخضاع كل المشهد للقانون، ولم يعد أحد يتصرف خارج هذا الإطار.

مقابل هذا، فالهيئة وإن نجحت في تحرير المجال الإذاعي، عبر ترخيصها للعديد من المحطات الإذاعة الخاصة، فإنها لم تستطع تحريك مجال التلفزيون، إذ ما سوى التسويات القانونية التي تحدثت عنها من قبل، فالهيئة لم ترخص ولو لمحطة تلفزية واحدة، على الرغم  من أن العروض التي قدمت لها لم تكن كلها سيئة ولا كان أصحابها مجرد مجازفين بأموالهم. ثم إن تبريرها لذلك باعتبارات واهية، من قبيل محدودية السوق الإشهاري، هو تبرير لا يمكننا تفهمه، وإلا لأصبحت الهيئة فاعلا في السوق، في حين أن وظيفتها هي أن تكون حكما بالبداية وبالمحصلة النهاية.

من جهة أخرى، فأداء الهيئة كان إلى حد بعيد محتشما، لدرجة يبدو لي أنها نادرا ما تتقبل النقد، أو تقيم ندوات تستدعي لها أهل الاختصاص، لا بل أنا شخصيا حضرت أكثر من ندوة كانت متعلقة بعمل الهيئة أو بخصوص تقييم أدائها ولم يحضر أحد منها بالمرة، على الرغم من توجيه الدعوة للمديرية العامة بهذا الشأن (حال ندوة واقع الإذاعات الخاصة مثلا التي أقيمت بالمكتبة الوطنية بالرباط واستغرب المنظمون عدم حضور ممثل عن الهيئة).

من ناحية ثالثة، فعمل الهيئة يبدو لي كما لو أنه موسمي الطابع، إذ باستثناء الدورات الاعتيادية أو فترات البث في بعض العروض، فإن عمل الهيئة لا يخرج للجمهور، اللهم إلا بعض استجوابات رئيسها على هامش حضوره هذه التظاهرة أو تلك بالخارج، أو للتبجح بأن خدمات الهيئة وتجربتها باتت مطلوبة هنا أو هناك ببعض دول العالم الثالث.

بالتالي، فباستثناء التراخيص للإذاعات الخاصة، فإن الحوصلة تبقى دون المستوى، على الأقل بالقياس إلى  حجم النشاط المفروض أن تكون الهيئة خلفه بهذا الشكل أو ذاك. ولهذا الاعتبار قلت في حينه بأن الأفضل أن تسمى الهيئة هيأة تقنين السمعي عوض السمعي/البصري.

 السؤال الثاني: ماهي الملاحظات التي يمكن أن تقدم حول تشكيلتها ومدة انتداب أعضائها؟

يحيى اليحياوي: لقد عبرت عن رأيي بهذا الخصوص ومنذ صدور الظهير المنشئ للهيئة ، وقلت بأن الطريقة التي ظهرت بها للوجود (بظهير ملكي عوض أن تخضع للمسطرة التشريعية العادية وتنقح موادها)، وكذلك الصلاحيات المحدودة التي منحت لها، وطريقة انتداب "حكمائها" والتي تخضع لحسابات لا علاقة لها بالكفاءة أو بالمهنية، بل للتوافقات السلبية الأبعاد...كل هذه الاعتبارات دفعتني للقول في حينه، بأن المحصلة أننا سنكون حتما بإزاء هيئة لن تستطيع اتخاذ قراراتها بتجرد، أو من منطلق الفعل المحايد في المجال، بل من منطلق تنفيذ ما يصدر عن المستويات العليا من أوامر وتوجيهات، لا سيما من لدن القصر. والدليل، فيما أزعم، أن عدم الترخيص لتلفزيونات خاصة، كان قرارا خارجا عن سلطة الهيئة، لم تتكفل فيه إلا بصياغة بيان واه، غير مقنع بالمرة.

بالتالي، فأنا أشك بقوة في درجة استقلالية الهيئة، لا بل وأشك في الخلفية التي تحكم هذا العضو بالهيئة أو ذاك. بهذا الجانب أيضا، فقد عبرت عن رأيي عندما صدرت لائحة أعضاء الهيئة، وقلت بأن التركيبة المعتمدة لا ترقى لأن تكون في مستوى تقنين مجال هو بالأصل مجال تخصص تقني، ومهنة الثاوين خلفه محددة ودقيقة، لا يمكن للمرء أن يتطفل عليها اللهم إلا إذا كان مكابرا أو متجاوزا على منطق الأمور. بمعنى، هل يعقل أن تضم الهيئة شاعرا  فاشلا، وسمسارا في البناء تافها، وممثلة في خريف عمرها الفني، وأستاذا في القانون الدستوري لا يعتد به حتى من لدن طلبته...وغيرهم، ولا يضم ولا متخصصا واحدا في التلفزيون أو في الإذاعة أو في الشبكات أو في التقنين والتنظيم الاستراتيجي وقس على ذلك؟

من جهة أخرى، فأنا لا زلت أتساءل عن السر في عدم تجديد تركيبة الهيئة وقد تجاوزت مدتها القانونية، لا بل وفي السر في عدم تجديد مقعد بات شاغرا منذ تقلد شاغله منصبا ساميا. القصد هنا هو القول بأنه لو كان ثمة حدا أدنى من الجدية، كي لا أقول المصداقية، ما كان لهذه الوضعية أن تستمر. ولو كان أعضاء الهيئة يحترمون أنفسهم لما ارتضوا لنفسهم حالة البين البين. هذا وضع يثير التقزز والشفقة على هؤلاء.    

السؤال الثالث: في نظرك ما هو مستقبل الهاكا في ضوء إمكانية إصلاح القطاع؟
يحيى اليحياوي: إصلاح المجال السمعي/البصري بالمغرب، لا يمكن أن يتأتى على يد هيئة من هذا القبيل، وأنا أعلم أن بعضهم يدرك ذلك جيدا. وهذا الإصلاح لا يمكن أن يتأتى من هيئة كهذه معيبة في الخلقة، لأن المعاب في الخلقة لا يمكن أن يتم إصلاحه.

مستقبل الهاكا يأتي، بنظري، من تقويض الظهير المنشئ لها، واستبداله بقانون يصدر عن المؤسسة التشريعية، على علتها، وتحدد فيه أولا وبالأساس مواصفات من يجب أن يكون عضوا فيها. وأنا أؤكد بهذا الجانب على المهنية والحرفية والكفاءة، لا على التعيينات المرتكزة على التوازنات السياسية أو الإرضاءات التي تنبني على الزبونية والمحسوبية والحسابات الضيقة.

جريدة المساء، 14 أبريل 2009

يمكنكم مشاركة هذا المقال