موضوع من قبيل العلاقة بين الإعلام والأخلاق هو، حقيقة الأمر، مشروع بحث يستوجب الملاحظة الدقيقة والأدوات المنهجية الكافية والتأصيل العلمي الضافي على الأقل فيما يخص جانب الإشكالية المتعلق بالوطن العربي.
ولهذا السبب، فإنه لن يكون بمستطاع المرء إلا أن يقدم بعض العناصر للمناقشة بجانب إلحاحية الموضوع وبجانب طبيعة العلاقة المثارة بين الإعلام والأخلاق.
ما الذي يجعل من موضوع الإعلام والأخلاق موضوعا ملحا؟ وما الذي يضفي عليه صفة الراهنية ولربما يجعل منه سمة الراهن بامتياز؟
هناك، فيما نتصور، ثلاثة معطيات أساسية تجعل من هذا الموضوع راهنا وملحا وذو أهمية قصوى:
+ الأول ويرتبط بالطفرة التكنولوجية التي طاولت ليس فقط علوم الأرض والحياة والبيوتكنولوجيا والهندسة الوراثية وما سواها (وهي علوم تسائل الأخلاق في جزء كبير منها)، ولكن أيضا وتحديدا تكنولوجيا الإعلام والاتصال والمعلومات بجانب انفجار عدد السواتل والكوابل والفضائيات ذات البث العابر للحدود وكذلك المتعدد الأقطاب والإنترنيت بأجياله المختلفة وما سوى ذلك.
هناك إذن طفرة في الحوامل (بنية وأعتدة وأجهزة وأدوات بث) وهناك طفرة في المضامين وفي المحتويات وهناك كم هائل من المعلومات والمعطيات والبيانات تجول وتتجاوز الحدود الوطنية والتشريعات الوطنية والدولة القطرية أيضا بما هي (أعني الدولة ) الحامي (نظريا على الأقل) لما تعارف عليه الناس من قيم ومعتقدات وارتضوه أخلاقا تحكم تعاملات بعضهم البعض.
بالتالي، فلم يعد للدولة الوطنية أو للقانون الوطني أو للمؤسسات (حيث تستنبت الأخلاق أو يعاد إنتاجها) لم يعد لها الدور المركزي الذي كان يميزها في حماية منظومات الأخلاق والقيم بوجه ما تأتي به الفضائيات أو يروج بشبكة الإنترنيت. الكل أضحى بمقدوره بث ما يريد ونشر ما يريد بصرف النظر عما تعارف عليه الناس. بمعنى أن المنع مثلا، على أساس هذه الخلفية الأخلاقية أو تلك، لم يعد ممكنا بوجود منابر ألكترونية... نفس الشيء مع مواقع الإنترنيت الإباحية أو الجنسية أو غيرها.
+ المعطى الثاني ويكمن، في تصورنا، في انفتاح النظم السياسية (ب"انتصار" الليبيرالية) وتقدم هذه النظم بجهة فصل السلط وتكريس الإعلام إذا لم يكن كسلطة قائمة فعلى الأقل كسلطة مضادة.
بالتالي، فتجاذب أو تقاطب أو ممانعة أو تمنع السياسي والإعلامي إنما أضحى مكمنه الرأي العام الذي يعمل الجانبان على كسبه ب"السوق السياسي" أو التأثير فيه على مستوى "السوق الإعلامي".
ولما كان المحك هنا هو السوق (بالمعنى العام لا التجاوزي أو القدحي)، فإن كلا الطرفين يعمدان إلى توظيفه على أساس من خلفية "البقاء للأقوى" أو "الدوام للأصلح" أو لما سواها من اعتبارات قد لا تكون دائما ذات خاصية أخلاقية.
كل السبل والوسائل متاحة هنا إذن: تبدأ بالمعلومة الرائجة أو المؤكدة إلى حد التشهير والقذف والتجريح مرورا بكل ضروب التمييع والمزايدة والتعتيم... كل وفق فلسفته ومنظوره وإمكاناته وغاياته الواضح منها كما المضمر سواء بسواء.
من هنا، فإن أخلاق المهنة (المرتكزة على الموضوعية والحيادية والاستقلالية والتجرد والتثبت من الخبر واستبعاد الرأي المؤثر في طبيعة الخبر...الخ) كلها تقصى وتركن... مادامت الغاية مرتبطة بالوسيلة لدرجة التلازم.
+ المعطى الثالث: من يملك المعلومة ومن يتحكم في الإعلام (إنتاجا أو ترويجا أو برمجة أو ما سواها) هو المتحكم بالمحصلة بزمن السلم تأكيدا، ولكن أيضا بزمن النزاعات والحروب.
بهذه الحالة، المنظومة الإعلامية لا تندمج فقط بالمنظومة السياسية (والإيديولوجية) لحد الاندغام... بل وتغدو في الغالب الأعم، الناطق الرسمي باسمها. وهو ما لاحظناه مع إيديولوجيا الحرب على الإرهاب وما استتبعها من ارتهان لوسائل الإعلام بأمريكا كما بالعديد من دول العالم.
بهذه النقطة، ليست أخلاقيات المهنة هي الأساس لدى الإعلامي، بقدر ما باتت محكومة لدرجة المصادرة، من لدن الساسة تشريعا وعلى المستوى السيميائي أيضا.
أستطيع الجزم إذن أن فهم جدلية العلاقة بين الإعلام والأخلاق على المستوى القطري كما على مستوى العلاقات الدولية إنما يجب أن يوضع في سياق هذه المعطيات الثلاثة لأن الأخلاق أضحت حقا، بداية هذا القرن، في محك من التكنولوجيا والليبيرالية والإيديولوجيا.
بالتالي، فلو عمدنا إلى تلمس هذه العلاقة لتبين لنا أنها من ثلاثة روافد كبرى:
°- فهي علاقة غير قارة على اعتبار أن السياق هو الذي غالبا ما يحكم مفاصلها. فالمسؤولية مثلا تختلف زمن السلم عن زمن الحرب. وهو أمر يمكن التأكد منه في أداء الإعلام الأمريكي في "حربه على الإرهاب" أو معاملته لإسرائيل.
°- وهي علاقة تجاذبية، أي أن ما هو أخلاق لدى هذا الطرف قد لا يكون بالضرورة أخلاقا لدى الطرف الآخر. بالتالي، فالتجاوز على الأخلاق عندنا قد يبدو عند الطرف الآخر أمرا مسموحا تشريعا وقانونا كما عشنا ذلك في أعقاب نشر الرسوم المسيئة لشخص الرسول الكريم.
°- وهي علاقة الغلبة فيها للسوق وليس لمنظومة القيم، أو لنقل إن منظومة السوق هي التي استنبتت "أخلاقا" جديدة تحاول الدفع بها جملة وبالتفصيل.
°- ثم هي علاقة الغلبة فيها للمرجعية. من الذي من المفروض أن يحدد مرجعية الأخلاق الثقافة أم الدين أم العرف أم السياق أم السوق أم كل ذلك مجتمعا؟
وعلى هذه الأسس، فإن طرح إشكالية الجدلية بين الإعلام والأخلاق إنما هي من التعقيد واللبس ما يفترض استحضار كل هذه المستويات... ومستويات أخرى دون شك.
الرباط، 12 يونيو 2008