تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

في البعد الأخلاقي لمجتمع الإعلام

news-details

منذ حوالي ثلاثة عقود من الزمن، خضع ميدان الإعلام والمعلومات والاتصال لإكراهين اثنين، كان مجبرا في ظلهما على التكيف والمجاراة: إكراه الطفرة التكنولوجية التي طاولته في العمق، مظهرا وبنيانا، وإكراه هيمنة "اقتصاد السوق" و"ثقافة السوق و"ديموقراطية السوق"، التي زعزعت ثوابته، وأعادت للواجهة سكونيته وقارية مفاصله.

هذان الإكراهان لا يمكن إلا أن تترتب عنهما نتائج معقدة، لا سيما وأن المعلومة، في ظل مجتمع الإعلام، تحيل على الإعلام كصناعة وأداة متاجرة، وتحيل إلى جانب ذلك، على الإعلام كمعطى "لاماديا" ذا مكنون اجتماعي وثقافي وحضاري. المعلومة هنا تتميز عن باقي "السلع"، في كونها تباع مرتين: فهي تباع للجمهور المتلقي، صحافة مكتوبة أو رسالة مسموعة أو صورة متلفزة، وتباع بموازاة ذلك، للمعلنين أو للمشهرين، باعتبارهم مصدر تمويل لا غنى لصناعة الإعلام عنه، بأي شكل من الأشكال.

بالتالي، فالمحك هنا سيكون حتما هو نسبة المشاهدة أو المتابعة، لا سواها. فيخضع منطوق المعلومة نتيجة ذلك، لا لاعتبارات المتلقي، بل لاعتبارات ذات النسبة، في مطلقها كما في نسبيتها.

وبناء على ذات التصور، فعوض التعامل مع المتلقي كمواطن، له الحق في معلومة موضوعية ومفيدة، إخبارية كانت أم تثقيفية أم ترفيهية، وعلى ناصية كل روافد مجتمع الإعلام، فإن التعامل لا يتم معه هنا، إلا في كونه مستهلكا، المفروض إقناعه واجتذابه وتطويعه.

وبناء على ذات التصور أيضا، فإن "المعلومة المواطنة" لا يمكن إلا أن تتراجع، وتتراجع معها الفكرة الديموقراطية التي هي أساسها، لا بل ومادتها الخام.

إن القصد هنا إنما القول بأن رهن المعلومة، أيا ما يكن حاملها وبنيتها التحتية، رهنها للمصالح والاعتبارات السياسية والتجارية والاقتصادية (التي هي عضد مجتمع الإعلام المادي)، من شأنه أن يمثل خطرا حقيقيا على المواطنة والديموقراطية، ناهيك عن الضرر الذي قد تتسبب فيه للأخلاق.

والدليل على ذلك أن تمركز وسائل الإعلام والاتصال بين يدي ثلة من الشركات الصناعية والتجارية، من شأنه أن يهدد مبدأ التعددية في إتاحة المعلومات، ومن ثمة مبدأ الاختلاف الذي لا قيمة للفضاء العام بتغييبه، ولا اعتبار للديموقراطية في نفيه أو استبعاده.

أما الدليل الثاني، فهو اندماج العديد من المجموعات الإعلامية والاتصالاتية في الأسواق المالية وفي البورصات، والتي أضحت، شأنها شأن المجموعات الصناعية والاقتصادية، أضحت تحت رحمة معايير الربحية، وإكراهات النتائج الملموسة عند أي تموج من تموجات السوق المالية...المضارباتية في جزء كبير منها.

أخلاقيات المهنة الإعلامية  تساءل هنا ليس فقط من زاوية مبدأ الاستقلالية، الذي يرفع من سقف الأداء الموضوعي والمتوازن، بل تساءل أيضا بالنظر إلى مآل ومصير التعددية الإعلامية، في سياق غزو البعد المالي/المضارباتي الصرف، لمجال إنتاج وترويج وتمكين الجمهور من المعلومة ومن المعرفة. 

ثم إن ذات الأخلاقيات قد باتت حقا وحقيقة في محك من المستجدات المتنوعة والمختلفة التي حملها مجتمع الإعلام بوجه المهنة الإعلامية في حد ذاتها، وبوجه الحقل الذي تفعل فيه ذات المهنة، أو تتفاعل معه حاضرا كما بالمستقبل. إنها استوجبت وتستوجب السرعة في جمع المعلومة ونشرها بطريقة آنية، في ظل وفرة في المعلومات غير مسبوقة في تاريخ الإنسانية على الإطلاق. كثرة المعلومات هنا تقتل المعلومة، لا بل وتخلق التشويش، ثم التجزيء، ثم النسيان بمحصلة المطاف، بالنسبة للمتلقي، مستهلكا كان أم مواطنا. الإعلامي بدوره لا يستطيع المجاراة، إذ تحت ضغط السرعة والآنية، فإنه يضطر إلى تجاهل مبدأ التحقق والتثبت من المعلومة، ولا يعير كبير اعتبار لمبدأ تقديم المعلومات وفق أولويتها أو أهميتها أو قيمتها الافتراضية عند التلقي.

إن هوس الإعلامي، في ظل مجتمع الإعلام، وتزايد مد اقتصاد السوق، إنما الوصول إلى أكبر عدد من المتلقين، ليس من باب تزويدهم بالمعلومات التي يحتاجونها، بل بغرض اجتذابهم كمستهلكين نهائيين أو محتملين، المفروض "بيعهم" للمعلنين بمقابل مادي مباشر، أو بمقابل معنوي يضمن للمنبر الرواج والإشعاع.

هو سلوك مشروع إلى حد ما، إذ التمويل عن طريق الإشهار هو أداة بقاء الوسيلة الإعلامية، وسبيل عصرنتها، وقد يكون دعامة استقلاليتها و"حيادها" في العديد من الحالات. المفارقة بهذه النقطة، أن المعلومة التي هي ممون الديموقراطية ومزودها، سرعان ما تتحول إلى بضاعة وسلعة، حيث لا يهتم رجل السياسة مثلا، عند مروره بالتلفزة أو بالإذاعة أو بالموقع الألكتروني، لا يهتم بما يقدم من برامج وأفكار، بقدر ما يهتم بمظهره وقدرته على غزو النفوس والعقول، فتتماهى الرسالة من هنا مع حاملها، كما ذهب إلى ذلك ماكلوهان من حوالي نصف قرن.

يبدو لنا، قياسا على ما سبق، أن التجاوز على أخلاقيات المهنة الإعلامية، لهذا الاعتبار أو ذاك، إنما تترتب عنه أزمة ثقة حقيقية بين الإعلامي والمتلقي. والدليل على ذلك أن العديد من استطلاعات الرأي تبين بانتظام تراجع مصداقية "وسائل مجتمع الإعلام"، فرادى وجماعات، مما يطرح سؤال شرعيتها ومشروعيتها.

يحدد دانيال كورنو أسباب تراجع مصداقية الإعلام، في ظل مجتمع الإعلام، في النقط التالية:

"+ الاستقلالية الهشة للإعلاميين في علاقتهم بباقي السلط،

+ نقط الضعف المتمثلة في جانب التثبت من المعلومات، تحت التأثير المزدوج لقوانين السوق وسرعة المعلومة،

+ الخلط بين حرية التعبير التي يمتلكها كل منا، وحرية الإعلام المحتكرة من لدن البعض فقط،

+ التصرف السلبي في المعلومة، بما يخدم السباق نحو نسب المتابعة عوض عكس الواقع،

+ الأذى الذي يطال البعض، جراء توظيف العنف، أو المس بالحياة الخاصة، أو عدم احترام قرينة البراءة".

بهذه الزوايا، يبدو للكاتب أن استحضار البعد الأخلاقي هو القمين، إذا لم يكن للقضاء عل هذه الممارسات، فعلى الأقل للتضييق من مجالها، والتقليص من تأثيراتها حالا كما في المدى المنظور.

بهذه النقطة أيضا، يقول جيل ليبوفتسكي: "في المجتمعات ما بعد الديموقراطية، فإن الأخلاق لا تنبعث من جديد كمثال لامشروط، ولكن كرد المجتمعات الليبرالية على التخوفات المتأتية من السلط الجديدة، التقنو/علمية منها والإعلامية" على حد سواء. ولما كان الأمر كذلك، فإن الحفاظ على المبادئ الديموقراطية إنما يستوجب استنبات سلط مضادة، تتكفل بها إما اللوائح والتشريعات، أو تكون من "اختصاصات" الأخلاقيات المهنية المؤطرة للمجال الإعلامي في أبعاده المختلفة.

* "في البعد الأخلاقي لمجتمع الإعلام"، 29 شتنبر 2014.

يمكنكم مشاركة هذا المقال