تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

سمات مجتمع الإعلام

news-details

يحيل مصطلح "مجتمع الإعلام" في هذه الدراسة، ضمن ما يحيل عليه في دراسات أخرى، على معطيين أساسيين اثنين:

+ المعطى الأول: فهو يحيل على كل الإبداعات والمستجدات التكنولوجية في ميدان الإعلام والمعلومات والاتصال، من صحافة مكتوبة، وإذاعة مسموعة، وتلفزة مرئية، وشبكات رقمية متصفحة، وما سوى ذلك.

+ المعطى الثاني: ويحيل أيضا على كل الاستخدامات، والاستعمالات، والممارسات المجتمعاتية المتمحورة حول الميدان إياه، وكذا مجموع الإدراكات والتمثلات الفردية والجمعية، التي تنطلق منه، أو تترتب عنه، أو تأتي كنتيجة طبيعية للتفاعل معه في الزمن والمكان.

هو (مجتمع الإعلام أقصد) بنية شبكية وتقنية مندمجة، تراهن على أن تضمن للمجتمع، كل المجتمع، بمفاصله الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والترابية والثقافية وغيرها، تضمن له سبل البلوغ لهذه الإبداعات والمستجدات، والإفادة منها على مستوى إنتاج وتوزيع وتقاسم، ثم استعمال كل أشكال المعلومات والبيانات والمضامين والمعارف والقيم الرمزية، التي تتفتق عن هذه الإبداعات والمستجدات، أو توفرها هذه الأخيرة دون إقصاء أو تمييز أو استثناء.

برز مصطلح "مجتمع الإعلام" محتشما بالبدايات الأولى لظهوره، كونه تلازم مع مصطلح رديف له (مصطلح طرق الإعلام والاتصال السيارة)، لكن سرعان ما صادفه الرواج الواسع، فاندمج في سياق عالمي واسع، عقب تبني منظمة الأمم المتحدة له، بالعشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين، في إطار قمتي المعلومات العالمية بجنيف في العام 2003، وبتونس في العام 2005، ليصبح بالتالي جزءا لا يتجزأ من الأدبيات الرسمية التي اعتمدتها الدول، أو سارت بركبها السياسات العمومية.

إن السمات الأساس لمجتمع الإعلام إنما تتمثل من جهة، في الانفجار غير المسبوق للشبكات الإعلامية والاتصالاتية الرقمية، وجنوحها نحو العولمة، ثم تزايد الخطابات المتمحورة حول ضرورة تأطير هذا "الفضاء الجديد"، على مستوى البنيات الشبكية التحتية والمضامين المعلوماتية المقتنية لها، تأطيره من جهة أخرى أقول، بقيم ومرجعيات أخلاقية توجه مساره، وتحول دون التجاوزات أو الأضرار التي قد تطاول بسببه خصوصية الأفراد والجماعات، أو تستهدف ثقافتهم، أو قيمهم، أو رموزهم، أو مقدساتهم.

بالتالي، فإن الإشكال المطروح لا يروم فقط طرح السؤال حول سبل وإمكانيات الإمساك بالبعد الأخلاقي للإعلام، ومن خلاله لمجتمع الإعلام، بل طرح ذات السؤال أيضا بخصوص ثلاثية "الإعلام والعولمة والأخلاق"، ما دام أن المسألة لم تعد مرتبطة بمجال الإعلام في صيغته التقليدية المتعارف عليها، بقدر ما غدت محيلة، في ظل تزايد مد انفتاح الاقتصاديات والثقافات وانتصار "قيم السوق"، محيلة على حق المجتمعات في الحصول على المعلومة والمعرفة بحد ذاتهما، ثم كأداة للتنمية المتوازنة والمستدامة، ناهيك عن دورهما في توزيع الثروة الرمزية بين الفضاءات الترابية المختلفة.

ولعل كل هذه الاعتبارات هي التي دفعت قمتي مجتمع المعلومات، التي أشرفت عليهما منظمة الأمم المتحدة، بداية هذه القرن، إلى التركيز في التوصية العاشرة من الورقة التوجيهية، على الأبعاد الأخلاقية لمجتمع الإعلام بالقول: "إن مجتمع الإعلام يجب أن يرتكز على القيم الكونية، ويحاول أن يدفع إلى الأمام بقيم الملك الكوني المشترك، ويتجنب الاستخدامات المضرة المترتبة عن استعمال تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال".

القيم الكونية الملمح إليها هنا ليست قيما مجردة أو مكتفية بذاتها، بل هي المؤطرة بكل القيم "العالمية"، المحلية منها كما الوطنية، الموغلة في القدم والتجدر، كما المستجدة، المحيلة على قيم العصر، والتي ترتكز على ضمان التعددية الثقافية واللغوية والتوزيع العادل "للتقنيات الثقافية"، موارد مادية ورموز معرفية، مع العمل على أن يكون كل ذلك في خدمة تجسير الهوة الرقمية بين الدول، وداخل الدولة الواحدة، وكذا تدليل الهوة الإدراكية بين الأفراد والمجموعات البشرية.

إن الهدف الأساس لهذه الورقة لا يروم الحديث في جدلية الإعلام والأخلاق من منظور معياري، كما يذهب إلى ذلك الإعلاميون والمهتمون بالأخلاق، لا سيما عندما يتم تناول هذه الجدلية بالاحتكام إلى كل وسيلة إعلامية على حدة، مكتوبة أو مسموعة أو مرئية أو مقتنية للشبكات الألكترونية. هذا أمر له وجاهته دو شك، لكنه يبقى طرحا تجزيئيا واختزاليا، ولا يتعامل مع الإشكال في شموليته الواسعة، أي في إطار تموجات الإعلام، وقد بات مجالا شاسعا، معولما، مخترقا لكل الحدود الجغرافية أو القانونية، ومحتكما إلى منظومة في الفعل تنهل من مرجعيات السوق الحر والمفتوح، وتتخذ من "حرية التعبير الاقتصادية" فلسفة وإطارا عاما في الأداء.

إن الغاية من اختيارنا المنهجي الانطلاق من مصطلح مجتمع الإعلام إنما مرده تحيزنا للمقاربة الشمولية لوسائل الإعلام في علاقتها بالبعد الأخلاقي، ليس فقط من منظور أن الأخلاق هي مكمن تميز وتمايز يتجاوز على الفعل الإعلامي، ولكن كذلك لأن هذه المقاربة هي التي من شأنها أن تبرز أن الأخلاق لم تعد المستوى الذي من المفروض أن يرجع له الإعلام كبنية مادية صرفة، بل كبيئة تتجاوز على بنية الإعلام الضيقة، لتسائل المجتمع برمته، في شتى ضروب تفاعله مع الإعلام كوسط تتقاطع بصلبه كل التمثلات والرؤى والإدراكات.

ولهذا السبب، فإن مجتمع الإعلام لا يؤسس فقط لقطيعة مفاهيمية مع ما كان سائدا عندما كان لكل وسيلة إعلامية مجالها وبيئتها ووسطها، بل يتعامل مع الأخلاق كبعد ضمن باقي الأبعاد، يسري عليه ما يسري على ذوات الأبعاد، حتى وإن كانت بعض الأدبيات الرائجة تنادي بضرورة سن "أخلاق جديدة" تماشي وتؤطر "المجتمع الجديد"، مجتمع الإعلام. ولما كان الأساس في الإعلام رسالته، فإن التركيز على البعد الأخلاقي هنا إنما يسائل ذات الرسالة، أكثر ما يسائل الأداة والوسيلة الحاملة لها.

* " سمات مجتمع الإعلام"، 22 شتنبر 2014.

يمكنكم مشاركة هذا المقال