تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

عن التكنولوجيا ومجتمعات المعرفة؟

بداية يرى أستاذ اقتصاد المعرفة بجامعة محمد الخامس الدكتور يحيى اليحياوي, أن الحديث عن تكنولوجيا الإعلام والاتصال في علاقتها بإشكالية المعرفة أمر متشعب ومعقد، فتكنولوجيا الإعلام والاتصال ساهمت وإلى حد كبير, في تكريس العولمة كواقع, في الوقت ذاته خضعت شركات الإعلام والاتصال بدورها للعولمة: كبريات شركات الاتصالات وكبريات شركات المعلوماتية، في حين تعتبر فضائيات السمعي - البصري معولمة بطبيعتها.

ويتابع اليحياوي: العولمة لم تمس المؤسسات الإنتاجية, ولا تكنولوجيا الإعلام والاتصال فحسب، بل طالت أيضا في تبعاتها، نظم القيم, وأنماط التفكير, وطرق العيش, وكيفيات الكينونة، وكانت وراء ما سمي بهيمنة الفكر الواحد, والعقيدة الواحدة, والتفكير الواحد، ولنقل - بارتباط مع إشكاليتنا- المعرفة الواحدة، سبيلها في ذلك تراجع أدوار الدولة والتشريعات الوطنية, وظهور مؤسسات «فوق وطنية», وتعميق دور الموجودة منها، وسيطها في ذلك غزو الثقافات تمهيدا لغزو الأسواق. فمعظم القنوات التلفزية الفضائية تعظم نمط الاستهلاك والإنتاج الغربي, وتجعل من اللغة الوسيط الأمثل لتكريس هذا النمط، كما أن إجبار الفضاءات الأخرى, ترغيبا للخضوع لمنطق الأقوى: أكثر من 95 في المائة من معطيات الإنترنت باللغة الإنجليزية مقابل 3.25 في المائة للألمانية، 2.25 في المائة للفرنسية وأقل من 1 في المائة للغات «الغربية» الأخرى.

بالتالي فمن أراد أن يقرأ عالميا، عليه الكتابة والتواصل بالإنجليزية: معظم الباحثين الفرنسيين مثلا يكتبون بالإنجليزية, أو يترجمون أبحاثهم إليها, إن هم أرادوا ترويجها, أو تقديمها لجوائز عالمية.

وسيلة وليست غاية

ويواصل اليحياوي: إن العولمة وتكنولوجيا الإعلام والاتصال، وإن خدمتا المعرفة (توفير بنوك معطيات وتقارير ومحاضرات ودراسات لكل المرتبطين بالشبكات) فإنها توظف «الفضاء المعرفي العالمي» (الثقافة أساسا) كوسيلة لا كهدف، وسيلة الوصول إلى الأسواق, وتكريس منطق الربحية الرأسمالي، كما أن العولمة وتكنولوجيا الإعلام والاتصال لا تكرسان، في نهاية المطاف، إلا طرح الفكر الواحد والمعرفة الواحدة والثقافة الواحدة، ولا تهتم بالهويات الثقافية والقيم الرمزية التي تنتجها الثقافات الأخرى (المتدنية كما يقال) إلا بالقدر الذي يخدم منطق الثقافة المهيمنة.

ويورد اليحياوي مثالين متناقضين لتعامل الدول مع تكنولوجيا المعلومات: فسنغافورة، دولة جزيرة رأسمالية، متحررة الاقتصاد ومتقدمة، هذه الدولة تتعامل بتحفظ شديد مع الإنترنت, كونها تعتبره ممررا لقيم فاسدة («قيم» الغرب المنحل) ولا تتطابق والمبادئ الكونفوشية، ومن جهة أخرى فرنسا، دولة ذات حضارة عريقة، ترقمن حاليا لوحات متحف اللوفر, لتقحمها في شبكة الإنترنت, للتعريف بتراثها وفنها الأصيل.

هذان المثالان يدلان على أن تكنولوجيا الإعلام والاتصال قد توظف بامتياز لتطوير مقاربات الحقل المعرفي، لتجديده ولتوسيع نسبة المضطلعين عليه, وكذا لحماية الهوية.
أمر آخر: هناك ما يناهز 30 في المائة من المواقع الموجودة بالإنترنت مخصصة للمعاملات التجارية, على الرغم من كون الشبكة خلقت أصلا للبحث العلمي (العسكري في البداية، المدني فيما بعد) ولربط حواسيب الجامعات والمعاهد.

علاقة شائكة

ويرى اليحياوي أنه في زمن الشبكات الكونية, كالإنترنت أو التغطية الشمولية للكرة الأرضية بأقمار البث التلفزي الفضائي، فالعلاقة التي تربط ممكنات تكنولوجيا الإعلام والاتصال, بمبادئ «الوصول الديموقراطي للمعرفة» شائكة. فلو سلمنا جدلا بأن تكنولوجيا الإعلام والاتصال تسهل كوسيط, إمكانية الوصول إلى الثقافة والمعرفة والخبر, فإنها لا تمكن ذلك بصورة ديموقراطية وعادلة.

فهناك، على المستوى الدولي، تباين ضخم فيما يخص إمكانات الوصول إلى المعرفة, بحكم تمركز هذه التكنولوجيا بين يدي عدد جد محدود من الدول والشركات: الولايات المتحدة تنتج لوحدها 80 في المائة من الأقراص المحورية (سي دي روم)، 90 في المائة من البرامج المعلوماتية الجماهيرية وثلثي أنظمة الويب، هناك 15 شركة اتصالات يصل رقم معاملاتها التجارية إلى أكثر من 400 مليار دولار، ضمن الـ25 صناعيي قطاع الإعلام والاتصال، 9 توجد بأمريكا الشمالية، 8 باليابان، 7 بأوروبا وواحدة بكوريا الجنوبية.
نيويورك لوحدها تتوفر على أكثر ما تتوفر عليه دول إفريقيا جنوب الصحراء من الخطوط الهاتفية. هناك 50 مليون مستخدم للإنترنت، 40 مليونا منهم يوجدون بأمريكا الشمالية (50 بالمائة منهم بكاليفورنيا وحدها).

مفهوم رمزي

الباحث الأردني الدكتور إبراهيم غرايبة يقول إن الثروة بدأت تأخذ مفهوما رمزيا جديدا مختلفا عما استقرت عليه طوال القرون الماضية، فقد كانت في السابق عنصرا بسيطا هو الأرض بموادها الظاهرة «الزراعة» ثم تحولت مع الثورة الصناعية إلى أوراق «نقود أو سندات أسهم» تعبر عن ممتلكات الإنسان.

ويضيف غرايبة: بتنامي قطاع المعلومات لم تعد الثروة تعبِّر عن موجودات صلبة ملموسة (أراضٍ أو مصانع) فلا أحد يشتري سهم «مايكروسوفت» أو «آي بي إم» بسبب الأصول المادية للشركة ولكن ثروة هذه الشركات مستمدة من إمكانات معرفية في جماجم القائمين عليها، فالمساهم لا يشتري أصولا واضحة، ولكنه يشتري القدرة التنظيمية والتسويقية والفكرية لهذه الشركات، ومن ثم فإن رأس المال اليوم يكاد يكون شيئا رمزيا وربما وهميا.

ويؤكد: أن الإعلام الجديد ليس بثا أحاديا وتلقيا إجباريا ولكنه تفاعل يختار فيه الناس احتياجاتهم ويشاركون هم في الوقت ذاته في الرأي والبث، وتستطيع بموجبه وسائل الإعلام أن تقدم لكل شخص ما يريد وتستمع لكل شخص أيضا، ويمكن إتاحة مساحات لأي شخص أيضا لينشر، إنه إعلام أشبه بمجلس أو ندوة يشارك فيها 10 أشخاص على قدم المساواة، وهنا تزيد أهمية الفردية والخصوصية.

فالإعلام مجبر على أن يرضي كل شخص بمفرده، وتتراجع النمطية في الإعلام والخطاب، وتزداد أيضا أهمية ثقافة المجموعات القليلة وفكرها، وتجد الفرصة للتعبير عن نفسها وإمكانية التفاعل مع الثقافات الأخرى، أي أن الإعلام سيكون تعدديا بلا حدود حتى يستطيع البقاء والاستمرار.

ويؤدي هذا الإعلام المتعدد الوسائط دورا جديدا غير القراءة والخدمة والتثقيف والتسلية، ولكنه أيضا وسيلة تعليم وتدريب قد يكون بديلا أو منافسا قويا للمدارس والجامعات ومراكز التدريب التي يجب أن تعيد النظر في دورها ووجودها، حيث يمكن الحصول على معظم ما تقدمه بتكاليف لا تقارن في انخفاضها بتكاليف هذه المؤسسات.

مؤسسات جديدة

ويختتم غرايبة بالقول: باختصار فإن الإعلام القادم هو مؤسسات جديدة تختلف كثيرا عما عهدناه في وسائل الإعلام التقليدية، إنه ليس إعلام صحفيين وكتَّاب وقرَّاء، ولكنه مجتمع متفاعل يتبادل فيه الأعضاء خدماتهم ويحصلون على احتياجاتهم الأساسية ويمارسون أعمالهم اليومية، وإذا لم تفكر الصحف ووسائل الإعلام في الآفاق والتحديات الجديدة فإنها ستواجه الإعراض والعزوف والخسائر وربما الانقراض والتبخر.

* "عن التكنولوجيا ومجتمعات المعرفة"، جريدة المدينة، 14 فبراير 2014.

يمكنكم مشاركة هذا المقال