تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

إشكاليات تحليل الخطاب في الدراسات الإعلامية العربية

news-details

محمد شومان، بحث، جامعة المنيا، أبريل 2004، 50 ص.

اخترت تقديم هذا البحث، لاعتبارين اثنين: الأول لأنه ولئن كان قديما نسبيا، فهو ليس متقادما. إشكالياته وتساؤلاته وخلاصاته تبقى ذات راهنية كبرى. نحن بحاجة لدراسة "الخطاب" كي نفهم خلفيات صاحبه ومرجعيته وأدواته والأهداف المتوخاة من مضمون ما يصدر عنه. أما الاعتبار الثاني فلأن الكتابات غالبا ما تخلط بين الشيء والحديث فيه. عندما يتحدث المرء عن الدين، فهو يتحدث فيه باعتباره مادة للحديث أو البحث. الحديث في الدين ليس هو الدين. وعليه، فعندما نسائل هذا الخطاب المتحدث في الدين أو ذاك، فنحن نتحدث في الخطاب وليس في الدين: نسائل الخطاب باعتباره كلاما في الدين، ولا نسائل الدين في حد ذاته، اللهم إلا فيما يسعفنا لمساءلة الخطاب إياه.

ولذلك، فإن هذا البحث، وإن كانت مادته "الدراسات الإعلامية"، فهو ذو أهمية منهجية كبيرة على الأقل من زاوية أنه يرفع اللبس بين الشيء وبين الخطاب عنه أو فيه. نقدم هنا إذن لمفاصل دراسة قصيرة، مركزة، لكنها دقيقة ومباشرة، مع الإشارة إلى توفر الدراسة إياها بالعديد من مواقع الإنترنيت.

ببداية هذا البحث القيم، يقول الكاتب: "ارتبطت نشأة وتطور بحوث ودراسات الإعلام في العشرينات من القرن الماضي، بالنموذجين الوضعي والسلوكي. فقد استمد التخصص الجديد الكثير من منطلقاته ومفاهيمه وأطره النظرية والمنهجية من هذين النموذجين".

 في هذا الإطار ركزت بحوث الإعلام، ولا تزال لحد الساعة، على تأثير وسائل الإعلام في الجمهور، اعتمادا على ما يعرف بدراسات الجمهور،  لكنها "أهملت إلى حد كبير دراسة مضمون وشكل الرسالة الإعلامية، التي يفترض أنها تحدث التأثير المطلوب، أو المرغوب من وجهة نظر المرسل أو القائم بالاتصال، سواء كان شخصا أو مؤسسة إعلامية ".

واستنادا إلى مساهمات بريلسون وآخرين، سادت تقاليد التحليل الكمي الدراسات الإعلامية، وأصبحت جزءا من التقاليد البحثية في حقل الدراسات الإعلامية، بينما اختفت أو غيبت الدراسات الكيفية واتهمت بالتحيز والبعد عن الموضوعية، بدليل أنه نادرا ما نجد المجلات الأمريكية مثلا، تهتم بالتحاليل النوعية.

بالآن ذاته، يلاحظ الكاتب قلة الاهتمام بدراسة مضامين الرسائل الإعلامية، وازدياد التركيز على عمليات إنتاج واستقبال الأفراد أو المجموعات لهذه الرسائل، وذلك "رغم أن الأفراد المتلقين يفسرون النصوص الإعلامية وفقا لحياتهم الشخصية وخبراتهم وتجاربهم الذاتية".

إن التحليل الكمي، عكس التحليل الكيفي، يهمل برأي الكاتب، سياق النص وعلاقات القوى داخله، ومنظور الفاعل، "فضلا عن عدم الاكتراث بالمعاني الضمنية أو غير الظاهرة في النص. من هنا بدأت تظهر، وعلى استحياء، محاولات لاستخدام مناهج وأدوات للتحليل الكيفي في دراسة النصوص الإعلامية، وقد اتسمت في البداية بالتردد والخلط وعدم الوضوح أو التكامل المنهجي والإجرائي، لكنها شكلت نوعا من المواجهة والتحدي للتقاليد السائدة في مجال الدراسات الإعلامية".

وقد ذهب عدد من الباحثين الاسكندينافيين في مجال الإعلام، يتابع الكاتب، إلى تأييد واستخدام التحليل الكيفي للمحتوي، لكن من منظور أيديولوجي، كما "سعى لتطوير أدوات التحليل الكيفي، مستفيدا من التطور الذي تحقق في مجال الدراسات اللغوية والسميولوجية وتحليل النص".

إن التحليل الكيفي (أو النوعي) للمحتوى يقوم هنا على الفحص الدقيق لمصادر المادة المزمع تحليلها، وعلى الملاحظة الصريحة والفهم الذاتي للذين يقومون بالتحليل، مع الاهتمام أيضا بوجهات نظر الآخرين.

 لكن هذه الأدوات المنهجية لم تكن، بنظر الباحث، "كافية لدراسات الرسائل أو النصوص الإعلامية في علاقاتها المتشابكة والمعقدة مع الرسائل السابقة، ومع بنية المجتمع والقوة المهيمنة عليه. من هنا تطورت محاولات التحليل الكيفي في الثمانينات من القرن الماضي، باتجاه تبنى منهجية تحليل الخطاب، وتحليل الخطاب النقدي على وجه التحديد. ويبرز هذا التحليل في أشكال مختلفة تتمحور حول أربع منظومات كبرى هي: المنظومة المنطوقية، والمنظومة الحجاجية، والمنظومة السردية والمنظومة الخطابية".

بيد أنه، منذ منتصف الثمانينات وحتى الآن، أصبحت نظرية الخطاب هي التي تقود عمليات تحليل النصوص الإعلامية. وقد دفعت هذه النظرية الباحثين إلى "إعادة التفكير في العلاقة بين المعنى والبنية الاجتماعية، من خلال التركيز على السلطة من داخل نظام المعنى، وليس من خارجه. فنظم المعنى نفسها تعتبر سلطة، وهي لا تظهر بسهولة كنظم، مثل بنية اللغة، "بل من خلال ممارسات ذات دلالة". إنها "ليست ببساطة المعاني المرتبطة بالممارسات الاجتماعية، بل إن المعني والممارسة لا يمكن التمييز بينهما. فهما مترابطان، أي أن المعنى هو الممارسة في نظرية الخطاب،  والخطاب هنا هو اللغة المستخدمة لتمثيل ممارسة اجتماعية محددة من وجهة نظر معينة".

ويلاحظ الكاتب، من ناحية أخرى، أن الأصول النظرية لتحليل الخطاب اللغوي تظهر جلية في أعمال عالم اللغة الشهير فردينالد دي سوسير، الذي أسس المدرسة البنيوية في دراسة اللغة، والتي تطورت بعد ذلك واهتمت بتحليل الأسلوب، والنص، وبالتطبيقات اللغوية في مجالات وسياقات مختلفة.

وقد اهتم علماء اللغة منذ وقت طويل باللغة المستخدمة في وسائل الإعلام، حيث ركزوا على تركيب الجمل والقواعد النحوية والبلاغية المستخدمة، كما ناقشوا السمات البنائية والبلاغية الخاصة للغة الإعلام، أو ما عرف بالخطاب الإعلامي، وأكدوا على السمات التالية، التي تبدو للكاتب في غاية الأهمية:

-  أن الخطاب يشكل من خلال الكلمة، كما أنه يشكل الكلمة،
-  أن اللغة تشكل الخطاب والخطاب يشكل اللغة،
-  أن الممارسة تشكل الخطاب، كما أن الخطاب يشكل الممارسة،
-  أن الخطاب يشكل من خلال الخطاب السابق، خطاب الماضي، والخطاب يشكل إمكانيات خطاب المستقبل،
-  أن الخطاب يشكل من خلال وسيلته، كما أن الخطاب يشكل إمكانيات هذه الوسيلة،
-  وأن الخطاب يشكل بواسطة غرضه، كما أن الخطاب يشكل الأغراض الممكنة.
أما من زاوية  سيميولوجيا الخطاب الإعلامي، فيلاحظ صاحب الدراسة أن الاهتمام بدراسة صور الإعلانات أو الصور الإشهارية قد بدأ في الأربعينات من القرن العشرين، حيث أثير نقاش واسع حول العلاقة بين السيميولوجيا واللسانيات، لا سيما من زاوية: هل سيميولوجيا الصورة مجرد نقل حرفي مباشر لمفاهيم اللسانيات مطبق على النماذج البصرية ؟

أما مدرسة التحليل الثقافي العام، فقد تأسست في رحاب مركز الدراسات الثقافية المعاصرة بجامعة برمنجهام في بريطانيا عام 1964. وقد عملت على "ربط الثقافة بالإعلام، في إطار اهتمامها بتحليل معنى الثقافة، وتحول الثقافة إلى سلع تنتج وتوزع علي نطاق واسع في ظل المجتمع الرأسمالي". من هنا ظهر "مفهوم الثقافة الجماهيرية المادية، وكيف أن وسائل الاتصال الجماهيري تلعب دورا بالغ الأهمية في إنتاج وترويج الثقافة الجماهيرية، وعلاقة ذلك بأسلوب الحياة والأيديولوجيا والوعي في المجتمع". من تبعات هذه المدرسة، أن الدراسات بدأت تركز أكثر فأكثر على دور الخطاب الإعلامي في عملية التفاعل الاجتماعي.

بيد أن مدارس الخطاب السابقة، وإن لعبت دورا مهما في التقريب بين تحليل الخطاب من ناحية، ودراسة الإعلام من ناحية ثانية، فإنها "لم تنجح في بلورة أطر نظرية واضحة، والاتفاق على إجراءات منهجية محددة لعملية تحليل الخطاب الإعلامي، على الرغم من تبلور تيار يدعو إلى التأليف بينها، أو استعارة بعض المفاهيم التحليلية واستخدامها، أو إعادة تعريفها واستخدامها في سياقات جديدة".

ويلاحظ الكاتب أن غياب الاتفاق بين مختلف مدارس تحليل الخطاب إنما يرجع إلى "اختلاف وتباين التخصصات ومجالات الدراسة والرؤى الفكرية والمعرفية للمنتمين لهذه المدارس، أو ربما أصبح الاختلاف، وعدم الاتفاق أحد مظاهر عصر ما بعد البنيوية أو عصر ما بعد الحداثة الذي نعيشه، والذي يسيطر عليه مبدأ اللاحسم والذاتية".

بالمقابل، يبدو أن الإيديولوجيا تلعب دورا مهما في التحليل النقدي للخطاب. "فاللغة اختيارات أيديولوجية، كما أن الخطاب ممارسة ذات طابع إيديولوجي من حيث التكوين والتأثير".

فضلا عن ذلك، فإن الخطاب الإعلامي يلعب دورا مؤثرا في بناء العلاقات الاجتماعية، وتحديد الهويات الاجتماعية والثقافية. فهو عملية مستمرة ومعقدة، تتفاعل فيها وعبرها "قوى ومتغيرات محلية ودولية تعكس أوضاع المجتمع وثقافته والمرحلة التاريخية التي يعيشها".
 

موقع مومنون بلا حدود، 17 يناير 2018

يمكنكم مشاركة هذا المقال