هشام قروي، مركز أسبار، الرياض، يناير 2010، 25 ص.
بمقدمة هذه الدراسة، يلاحظ الكاتب أن بحوث العلوم الاجتماعية المتعلقة بالإسلام الأوروبي، حديثة العهد نسبيا، وتبدو خجولة ومترددة.
ففي فرنسا مثلا، نجد أن "علماء الاجتماع المتخصصين بقضايا الهجرة، يهملون أحيانا كثيرة التعرض للبعد الديني في وجود المسلمين. أما علماء الاجتماع المتخصصين بالدين، إذا ما استثنينا عددا قليلا منهم، فقد كان جل اهتمامهم منصبا بالخصوص على تحليل الدين المسيحي".
من الناحية المنهجية، يلاحظ الكاتب أن المستشرقين والباحثين المتخصصين في الدراسات الإسلامية، لم تتوفر لديهم المناهج والمفاهيم من أجل التحليل التجريبي (المخبري) للإسلام. لقد اقتصرت خبرتهم على الإسلام "النظري"، أي النصي. وأما علماء السياسة والحقوقيون، "فإنهم شعروا، بصفتهم شهود عيان على هذا الواقع الجديد المتحرك على الساحة الأوروبية، بالحاجة إلى إدراجه في الفضاء المعرفي للدولة. غير أن اهتمامهم كان ينصب أساسا على استراتيجيات الجماعات والقادة، وهذا ما يقلص الإسلام إلى دائرة السياسي والإيديولوجي".
لا شك أن هذه المقاربات مهمة، تؤكد الدراسة، ولكن تجربة مسلمي أوروبا ليست نظرية مجردة و/أو سياسية. فهي كذلك اقتصادية واجتماعية وثقافية. وهي "تهم الفرد كما تهم المجموعة والأسرة. وهي تنتج هويات محلية، ومسارات حياتية، وتجارب اندماج ناجحة، و إخفاقات، وردود أفعال، وتفاعلات، الخ".
إن البحوث المتعلقة بوجود المسلمين في أوروبا تتصف، بستينات وسبعينات القرن الماضي، بالتكثيف الموجز وبإهمال البعد الديني يقول الكاتب، والمعلومات الرئيسية عن هذا الوجود تأتي من مصادر مسيحية صرفة.
إلا أنه ومنذ أواخر الثمانينات، أخذت الأوساط الأكاديمية الموضوع على عاتقها، من خلال أعمال تناولت حصر ووصف "الواقع الاجتماعي للمسلمين" في أوروبا، والذي أصبح في الأثناء معاينا بشكل أوضح، إذ درست مسألة العلاقات بين الإسلام والدولة، باعتبارها مسألة إدماج هذا الدين الأوروبي الجديد في المؤسسات العامة . ففي فرنسا على وجه الخصوص، نجد أن تسييس الإسلام كان وراء ظهور المزيد من الأعمال، وقد كان بعضها أقرب إلى السياسة منه إلى العلوم السياسية.
لقد بذل جهد كبير، يقول الكاتب، من أجل الوصف والتفسير، انطلاقا من أصناف سوسيولوجية أو أنثروبولوجية محددة. فشرع في "إدراج معرفة الإسلام داخل علم الاجتماع والانثروبولوجيا العامين، وفي إطار التحليل المقارن. وهذا ما لا تستطيع الأعمال المنجزة انطلاقا من الاستشراق والدراسات الإسلامية القيام به سوى بصعوبة، نظرا لميلها إل تحليل الإسلام من منظور خصوصيته. في هذا السياق، بدأت بعض التوجهات بالظهور، مثل التنشئة الاجتماعية للإسلام، والتي قد يكون موضوعها الأشكال المختلفة لانتقال الدين والتقاليد عبر الأجيال. أكثر ندرة هي الأعمال المخصصة للاقتصاد الإسلامي، وللممارسات والطقوس ومعانيها، أو الدراسات التجريبية والمقارنة حول القيم والمواقف والسلوكات".
ويبدو بنظره، أن هذا الافتقار يشكل فراغا ينبغي أن يملأ، من خلال توفير البيانات والمعطيات الجديدة المؤدية إلى معرفة أفضل للإسلام. و"يستوجب ذلك في رأينا، الاعتماد بشكل مركز على المنهج التجريبي، الذي لا يمثل فقط استمرارا لهذا التقليد في بحوث العلوم الاجتماعية حول الإسلام، وإنما أيضا، مسلكا رياديا بذاته، يحتوي جميع الوسائل البحثية التي تجيب عن الأسئلة الأساسية المعروفة: من؟ متى؟ كيف؟ أين؟ ولماذا؟ من خلال التحقيق الميداني، والاستجواب، والإحصاء، والمقارنة، والتصنيف، والتحليل".
والواقع، يلاحظ الكاتب، أن تطوير المعارف يواجه عراقيل كثيرة، في ظل ظروف هيمنة المعرفة غير التجريبية، سواء تعلق الأمر بالمعتقدات السحرية أو الدينية أو غيرها. ومن ضمن ما يعيق تنمية المعرفة التجريبية ما يصفه بارسونز ب "المصالح الخاصة" أو "حماية المصالح المكتسبة"، إذ تتعرض المعرفة التجريبية للمقاومة عندما يكون هناك تضارب في المصالح مع نظام سائد من الأفكار.
"فإذا كان فريق كبير من الناس مقتنعين بأن المسلمين الذين يعيشون في بلدان أوروبية، لا يمكنهم أبدا الاندماج في مجتمعاتها، وذلك بسبب تعارض متأصل في دينهم، ثم يأتي التحقيق التجريبي بنتائج تثبت عكس ما يعتقدون تماما، فإن الذين يدافعون عن فرضية التعارض سيجدون صعوبة في هضم الحقيقة التجريبية. وبالمثل، إذا كان البعض يحاولون منذ سنوات، إقناعنا بأن الإسلام الأوروبي يعاني من التخلف، والتعصب والتدميرية نفسها التي يعاني منها الإسلام عالميا، وأنه ليس هناك أي أمل بتطور يجعله يتأقلم مع نمط الحياة الغربية، ثم نأتيهم بما يثبت العكس تماما، من خلال العلم التجريبي وتحليل المعطيات الكمية، فمن المؤكد أن أولئك القوم لن يبتهجوا بنتائجنا".
من هنا، وعلى الرغم من أن نتائج التحقيق التجريبي تقود إلى التمييز بوضوح بين الإسلام الأوروبي (والغربي عموما)، والإسلام العالمي، "فإننا نعتقد أن الروابط ليست مقطوعة بين الطرفين، وأن بعض الأمراض التي يعاني منها الإسلام الأوروبي، لها أسباب لا يمكن شرحها إلا في سياق الإسلام العالمي".
بالمقابل، وبشأن العلاقات بين المجتمعات المسلمة والجماعات الإسلامية المعتدلة أو المتشددة، يلاحظ الكاتب أنه لا تتوفر لدينا في ذلك بيانات موثوق بها. "فإذا كنا نعرف بشكل عام وغامض، وفقا لبعض استطلاعات الرأي، أن هناك بعض التعاطف، فإنه لا توجد إلى حد اليوم بحوث استقصائية، تستند إلى العلم التجريبي، حول موضوع الإسلاميين داخل مجتمعات الإسلام. في معظم الحالات، نحن لا نملك إلا البيانات التي تسمح بها الأنظمة، وهمها الرئيسي ليس هو المعرفة العلمية، ولكن الحفاظ على السلطة السياسية بأي ثمن".
إن معرفة التيارات الإسلامية ليست أفضل الطرق لمعرفة الإسلام نفسه، فضلا عن الإسلام الأوروبي، يقر الكاتب، إذ يحتاج المرء "أولا لمعرفة أفضل للإسلام، حتى يستطيع أن يقيم بموضوعية التيارات الإسلامية. بيد أن الناس لا يميزون دائما".
ويخلص للقول: "إن الحاجة ماسة، فيما يخص الإسلام الأوروبي، إلى المعطيات الكمية. فالقفزة النوعية في المعرفة لا يمكن إنجازها دون اعتماد على العلم التجريبي، الذي يبقى مؤهلا لإكمال بحوث العلوم الاجتماعية، بكل ما هو دقيق وقريب إلى الرياضيات".
* "الإسلام الأوروبي والصورة النمطية"، هشام قروي، نافذة "قرأت لكم"، 11 دجنبر 2014.