تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

إشكاليات الخطاب الإعلامي العربي

news-details

المقصود بالخطاب الإعلامي، في هذا المقام، إنما مجموع القيم والمبادئ العامة والتصورات التي تحكم العملية الإعلامية، تؤثت لها شكلا ومضمونا، وتؤسس لمنهج التعامل والتواصل مع سلوك الأفراد والجماعات في محيط ما وفي زمن ما، وفقا لقواعد المهنة الإعلامية وأخلاقياتها، أو ما توافق على أنه قواعد وأخلاقيات.

هي مجموع الأفكار والتمثلات والإرهاصات والمواقف التي تتخذ من العملية الإعلامية مادتها وموضوعها، وتعمد إلى استقراء مكونات فضائها وعناصر مدخلاتها ومخرجاتها بأدوات قد تكون من ذات الفضاء، وقد يتم بغرض استقرائها استحضار أدوات قد لا تكون بالضرورة من الروافد المباشرة لها، أعني من روافد أخرى غير رافد علم الإعلام والاتصال.

وعلى هذا الأساس، فإن الخطاب الإعلامي العربي (قديمه كما جديده سواء بسواء) لا يشد على هذا التحديد كثيرا، على الأقل من الوجهة النظرية. إذ هو مجموع الأفكار والمبادئ والمواقف التي تحكم العملية الإعلامية  القائمة بالدول العربية (على تباين نظمها السياسية، واختلاف بناها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية) وتؤطر لها التوجه، على أساس من هذه الخلفية أو تلك، بناء على هذه المنظومة أو  تلك.

ولما كان كذلك، فإنه يجر من خلفه حتما مجموع الأفكار والتمثلات والترسبات والرؤى التي تموج داخل المجتمع العربي، وتنهل من الروافد التي يرتكز عليها، وفي مقدمتها الرافد السياسي الذي لا حركية مجتمعية (فما بالك إعلامية) إلا به، أو من داخله، أو من حوله.

وبناء عليه، فليس من المبالغة في شيء حقا القول بأن هذا الخطاب، في شكله كما في جوهره، إنما هو الترجمة "الصادقة" لخطاب النظم السياسية التي اعتملت داخل الرقعة العربية، على الأقل منذ مرحلة "الاستقلالات الوطنية"، التي انطلقت في النصف الثاني من القرن الماضي، وإن بأشكال مختلفة.

وليس من المبالغة أيضا القول بأن ذات الخطاب إنما واكب منظومة الخطاب السياسي الذي أسس منذ البداية لما يمكن تسميته "إيديولوجيا شرعنة" النظم الوليدة، أو المستنبتة من بين ظهراني الاحتلال أو الاستعمار أو الانتداب أو ما سواها.

وإيديولوجيا الشرعنة الملمح إليها هنا إنما تلك التي انبنت على ركيزتين أساسيتين لا تزالان بالعديد من الدول العربية عصب الحكم، ومسوغ السلطة، ومبرر هذا النهج في السلوك السياسي أو ذاك:

+ الركيزة الأولى وتتعلق بما سمي في حينه (بداية الستينات تحديدا) ب" ضرورات بناء الدولة الوطنية" التي دمرتها القوى الاستعمارية لعهود طويلة خلت، وحالت بذلك دون استنبات شروط التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي كان للدول العربية أن تعمل في إطارها لولا التشويه الذي طاول ذات الشروط، أو مورس على الموارد الوطنية (المادية والبشرية) التي كان من الوارد توجيهها لذات التنمية.

+ أما الركيزة الثانية فترتبط بما أضحى منذ مدة يقدم تحت مسوغات شتى، لعل أقواها إطلاقا مسوغ الأمن القومي، أو"حماية المكتسبات"، أو"الحفاظ على المقومات الذاتية" وما سواها، والتي دفعت بها النظم العربية (بمختلف تلويناتها) على أسس محددة، أو دونما أسس حتى.

هاتان الركيزتان الكبيرتان هما اللتان على أساسهما صكت أركان الخطاب الإعلامي العربي لأكثر من خمسة عقود، لم يزغ عنهما كثيرا، اللهم إلا في الشكل مع تكييف بائن للمضمون، وفق خصوصيات محدودة لهذه المنظومة أو ذاك النظام أو تلك المرجعية.

بالتالي، لم يخل الإعلام العربي (كما الخطاب الباني له، أو المواكب لمسيرته) لم يخل من تاريخه من حمولة رمزية قوية، طعمتها الدعاية السياسية، ورفع لواءها بامتياز إعلام رسمي يتماهى معها (مع الدعاية أقصد) لحد التطابق... ولا يتوانى من هنا في الدفع بها إلى حدود قصوى، عبر تمجيد الحاكم لدرجة التأليه، وتنميط سلوكات الجماهير (أفرادا وجماعات) للاصطفاف من حوله بالصواب كما في حالات الخطأ. 

من نافلة القول إذن، إن الإعلام العربي (صحافة مكتوبة وإذاعات وتلفزات هرتزية وغيرها) المتشبع بذات الإيديولوجيا إنما كان (ولا يزال في الغالب الأعم منه) إعلام السلطة...تموله، تعين القائمين عليه، ولا  تشعر بالحاجة إلى رسم "الخطوط الحمر" (الإدارية والقانونية وما سواها)، مادام الإعلام القائم هو إعلام سلطة...أعني إعلامها بالبداية وبنهاية المطاف.

ولهذا الاعتبار (ولغيره دون شك) كان الإعلام العربي (ولا يزال في جزء كبير منه) توجيهيا، تنميطيا، متماهيا مع إيديولوجيا السلطة، دعائيا، سطحيا، مرتهنا، لا يحتكم على أدنى درجات الموضوعية أو المصداقية، ولا يعير كبير اعتبار لما هو الرأي العام، أو الذوق العام، أو تطلعات الجماهير.

ولما كان كذلك وأكثر، فإنه لم يثر القضايا الكبرى التي تعتمل بداخل الجسد العربي (من تغييب للديموقراطية، وفساد في السلوكيات العمومية، وارتهان للقرارات الوطنية وما سواها)، بل تجاهلها جملة وتفصيلا...وإذا تسنى له أن يعرض لبعض منها، فبالكثير من السطحية وإعمال للهامشية، واعتبار ذات القضايا الاستثناء، في حين أنها القاعدة العامة التي لا يمكن أن يغفلها المرء بالعين المجردة.

بالتالي فهو إذا لم يكن له أن يطرح مفاصل القضايا الكبرى، التي ترهن حاضر الجماهير وتحدد معالم مستقبلها،  فقد ساهم وإلى حد كبير، في تمييعها والتجاوز على العناصر الموضوعية بداخلها، والالتفاف على الطروحات الجوهرية التي تتبناها، أو تدافع من أجل تكريسها.

وعلى الرغم من الطفرة الإعلامية الكبرى التي حملتها، أواسط ثمانينات القرن الماضي، الثورة التكنولوجية في ميدان الإعلام والمعلومات والاتصال، وما ترتب عنها من تفريخ للقنوات الفضائية، وتفجر في الأقمار الصناعية، ومحطات البث والإرسال، فإن الإعلام العربي بعمومه بقي حبيس الحليب الذي فطم عليه منذ التأسيس.

بمعنى أن ذات الطفرة لم تسهم إلا في القليل النادر في معالجة القضايا الإشكالية الكبرى المطروحة منذ عقود من الزمن، أو على الأقل تسهم في إعادة طرحها، في ظل انفتاح السماوات، وتوافر الشبكات، وتزايد مد الحرية وحقوق الإنسان بمختلف أرجاء العالم.

هناك، فيما نعتقد، أربع قضايا إشكالية كبرى وشمت تاريخ الإعلام العربي، ولم تنجح طفرة الفضائيات (والخطاب الرائج حولها) في إعادة طرحها،  أو زعزعة مفاصلها المحورية:

+ الإشكالية الأولى، وتتعلق بشتى ضروب التطلع إلى الاستقلالية (في أفق تكريس سلطة رابعة، كما هو متطلع إليه من لدن إعلام الدول الديموقراطية) والانشداد (لدرجة تعذر الانفصام) إلى الطبيعة/الأصل...إلى الوظيفة/الأصل التي ترعرعت من بين ظهرانيها، وبنى لها الخطاب المواكب الفلسفة والإيديولوجيا: إشكالية الممانعة بين التطلع إلى واقع جديد  يكون فيه الإعلام سلطة، والانجذاب الطبيعي إلى الواقع السائد المتمحور حول السلطة قلبا وقالبا.

لم يعد الإعلام بمفرده موضوعا على المحك، بقدر ما أضحى شريكا في ذلك مع الخطاب الناظم له، المشرعن لأدائه وسلوكياته...أضحى متواطئا، وإلى حد بعيد خصما لما تم اعتماده من قواعد وأخلاقيات وما سواها.

هذه قضية إشكالية حقيقية لن يكون من مستقبل يذكر للإعلام العربي إذا لم يفصل فيها، ويحدد الجانب الذي من المفروض أن يتموقع بجانبه.

+ أما الإشكالية الثانية فتتعلق باستمرارية انفصام الأداء الإعلامي (والخطاب من حوله أو من خلفه) مع الواقع على الأرض، أي مع مجريات واقع الحال سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وما سوى ذلك... ولكأن الذي لم يتغير هو الواقع وليس الخطاب.

إذا لم يكن الأمر كذلك، فما القول في النشرات الإخبارية بكل القنوات العربية تقريبا التي لم يطلها التغير زمن الفضائيات، وبقيت على سكونيتها وسطحيتها، ولكأن المشاهد لم يتغير وعمودية البث هي الناظمة لها؟ ما القول في اختزال البرامج في شخص الرئيس أو الملك أو السلطان، تتبعه الكاميرات حيثما حل وارتحل، سواء كان في تنقله فائدة أم كان ذاهبا للاستجمام؟

يبدو هنا أن الإعلام بالمنطقة العربية أضحى عصيا على التغيير، ولا تستطيع مجريات التاريخ ولا حركية المجتمع ولا تغير العالم من حوله أن يفعل فيه أو يتواصل معه... وهذه إشكالية جوهرية في عصر أضحت الصورة إحدى مكوناته المحورية.

+ الإشكالية الثالثة وترتبط (من لدن الخطاب كما من لدن الممارسة) في "الوعي الناقص" بين واقع الطفرة التكنولوجية (وما يستتبعها من حقوق وواجبات) وبين سلوكيات كانت قائمة ولم تطاولها ذات الطفرة إلا شكلا، في حين أن المضمون (الرسالة أعني) بقي في منأى عن ذلك، ولكأن لسان الحال هنا يقول بأن الطفرة إياها هي وسيلة لتنميق الخطاب السائد من مدة (تجميله وتحسين محياه)، وليست أداة لتغيير ذات الخطاب، أو تقويض بنيانه، أو جزء منه على الأقل.

صحيح إلى حد ما، أن الرسالة براء وإلى حد بعيد من البنية التقنية التي تحملها، لكنه من الصعوبة حقا التمييز اليوم بين مضمون الرسالة وحاملها، إذ الرسالة مضمون وبنية في آن معا، لا يفصل بينهما إلا الفراغ تماما كما لا يفصل بين الروح والجسد إلا الموت.

+ أما الإشكالية الرابعة فتحيل على مسألة الهوية بما هي كنه العملية الإعلامية (والخطاب القائمة عليه) ومصبها في الآن ذاته.

وإشكالية الهوية الملمح إليه هنا إنما تكمن في تعذر الحسم في دور ووظيفة الإعلام العربي (والخطاب الباني له): هل يقتصر ويكتفي بعكس الواقع بعمومه ومعطياته التفصيلية من بين ظهرانيه، أم يتعدى ذلك إلى المساهمة في تغييره، أو على الأقل إصلاح ذات البين من بين أضلعه؟

هو مطالب بالأمرين معا، إذ مصداقيته تتأتى من قربه من المواطن المعدم في بحثه عن قوت أولاده، وتتأتى أيضا من توعية ذات المواطن بالسياسات العمومية التي ترهن حاضره وترسم ملامح مستقبل أبنائه.

+ أما الإشكالية الخامسة فتتعلق بداية وبالمحصلة، بصلب الرسالة الواجب (أو من المفروض) الدفع بها والدفاع عنها.

لا يتعلق الإشكال هنا بالشكل، بقدر ما يطاول الجوهر، ليس فقط بجهة صيغة المادة المراد تقديمها، بل بجهة طبيعتها ونوعيتها: هل المطلوب تقديم ما توافقت عليه الجماهير وارتضته (حتى في تواضعه)، أم المفروض تقديم مواد تواكب العصر وتماشيه، حتى وإن لم تلق رضى الجماهير وتلاقي رغباتها الآنية؟

هي إشكالية حقيقية دونما شك، لكن حلها إنما يتمثل في حبكة المزج بين ثلاثية الإخبار والتثقيف والترفيه، التي تعتبر مادة الوظيفة الإعلامية وهدفها في الآن معا. وهو مزج لا يجب أن تصوغه الوسيلة الإعلامية بمفردها، بل باستحضار الخبراء واستبيان آراء الجماهير، مع إعمال مبدأ التقييم الدوري والعمل دون ورود التجاوزات.

وهي إشكالية تحيل على مبدأ تحديد قواعد اللعبة بالعملية الإعلامية بين من هم خلف صياغة البرامج، وبين من هم مصبها وهدفها بالمخرج.

لا ينحصر الأمر بهذه النقطة، عند دور الدولة (أو المجالس الوطنية العليا في الإعلام من بين ظهرانيها) في تحديد هذه القواعد، وترسيم الحدود بين الحرية والأخلاقيات المهنية من جهة، وبين المسؤولية الاجتماعية والثقافية لوسائل الإعلام من جهة ثانية، بل يتعداه إلى الوظيفة التي من المفروض أن يتبوأها الخطاب الإعلامي لترسيم ذات الحدود... وحسم مفاصل التضاد والممانعة التي تكتنف كل إشكالية من تلك التي آثرناها بهذا المقام.

* "إشكاليات الخطاب الإعلامي العربي"، 7 يوليوز 2014.

يمكنكم مشاركة هذا المقال