تنطلق هذه الورقة من فرضيتين أساسيتين اثنتين:
+ مؤدى الأولى أن الحقل الإعلامي بالمغرب كان ولا يزال عصيا على الإصلاح، وأن كل المشاريع المتعاقبة، منذ ثمانينات القرن الماضي على الأقل، المتبناة بهذه الصيغة أو تلك، قد اصطدمت بمعيقات "موضوعية" جعلت حماسة التصور رهينة المعارضة التي تحول دون إمكانية التصريف، تصريف مشروع الإصلاح المنشود.
+ أما مؤدى الفرضية الثانية فيتمثل في القول بأن الإعلام العمومي بالمغرب، والسمعي/البصري على وجه التحديد (مادة هذه الورقة)، لم يكن يوما بناء قائم الذات، بل كان جزءا من بنيان قائم، أي جزءا من منظومة مادية ورمزية فوقية، هي التي تحدد له المرجعية، تبني له التصور، تضع له السياسات، وتقوم بتعيين القائمين على تصريف السياسات إياها بالجملة والتفصيل.
ولهذا السبب، فإن كل مشاريع الإصلاح التي صيغت بهذا الخصوص، منذ بداية الألفية الحالية، إنما حملت أثر هذه اللازمة البنيوية، لازمة جعلت حركية قطاع الإعلام العمومي من حركية ذات البنيان، أي حبيسة إرادة السلطة في طبيعة الإصلاح المبتغى، في مضامينه، في سقف حريته، وفي توقيت إعماله.
إن الحقيقة الثابتة اليوم، وبعد أكثر من عقد ونصف من الزمن من وصول الملك محمد السادس للسلطة، إنما كانت ولا تزال متمحورة حول تحييد الإعلام العمومي من الحراك السياسي الجاري من تاريخه، واستثناءه من عملية "الانتقال الديموقراطي"، الذي حمل لواءها مفهوم السلطة الجديد الذي أثث الفضاء العام بوقت من الأوقات، قبل أن ينحسر مده ومداه.
هذه الخلفية، المضمرة فيما بين السطور، لكن الجلية في السلوك، هي التي تبين كيف أن الإصلاح كان ولا يزال يتجاوز على الشعارات والبرامج الحكومية، ويبقى رهين مبادرة من فوق، باستقلال تام عن الطلب الحزبي، أو موازين القوى على الأرض (بالانتخابات على أقل تقدير).
ثمة أربع حالات كبرى في "إصلاح" الإعلام العمومي، والسمعي/البصري تحديدا، تبين بقوة أن ذات الإصلاح يبقى من المجال الحصري لفاعل "خاص"، لم يقبل يوما أن يخرج هذا القطاع عن اختصاصاته، أو أن تنتقل هذه الأخيرة إلى جهة أخرى، حتى وإن كانت منتخبة وبعنقها عهدة شعبية:
+ الحالة الأولى، حالة الهيئة العليا للاتصال السمعي/البصري.
وهي الهيئة التي أنشئت في غشت من العام 2002، بظهير شريف تضمن الخلفية والمرجعية البانيتين لها، وحدد لها الاختصاصات والتركيبة والإطار المنظم لمجال اشتغالها:
++ فمرجعيتها ترتكز على الفصل التاسع عشر من الدستور (دستور العام 2006)، والذي لرئيس الدولة بموجبه "صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات". وهي مرجعية لم تتغير، لأن وضعية الهيئة لم تتغير مع دستور العام 2011، اللهم إلا سمو الدستور إياه بالهيئة إلى مؤسسة دستورية.
++ واختصاصاتها استشارية صرفة، لدى رئيس الدولة، ولدى الحكومة، ولدى بعض الجهات الرسمية المختصة الأخرى.
++ وتركيبتها محددة في تسعة أعضاء، يعين رئيس الدولة خمسة منهم، ضمنهم الرئيس (والمدير العام للهيئة، حتى وإن لم يكن هذا الأخير ضمن مجموعة الحكماء).
++ وإطار اشتغالها العام "إبداء الرأي"، و"اقتراح" التدابير في كل مسألة تتعلق بالمجال السمعي/البصري.
++ وميزانية تسييرها هي، فضلا عن كل ذلك، من ميزانية البلاط الملكي، التي لا تناقش بالبرلمان، بل تعتمد بالإجماع، أي بالتصفيق عند "التصويت".
لا نعيب على هذه المسلكية انبناءها على فصل في الدستور لا تمنح النازلة مسوغ اللجوء إليه (وهو فصل مطاط، من المتعذر تحديد مداه وحصر امتداداته)، بل نعيب عليها ركوب ناصيتها لإنتاج القانون، دونما ترك مادة هذا الأخير تختمر عبر محطات في النقاش تضمن له، إذا لم يكن بعضا من المصداقية، فعلى الأقل قدرا معتبرا من الشفافية.
إننا نزعم، بهذه الجزئية، بأنه كان من باب أولى، ومن الأسلم قانونيا ومسطريا فضلا عن ذلك، أن تكون الحكومة أو البرلمان هي جهة استصدار مفاصل هذا الظهير، أن يتم التداول بشأنه في مجلس الحكومة، أن يعتمد بمجلس الوزراء، أن يحال على البرلمان لمناقشته وتهذيب بعض من مواده، يصوت عليه وينشر بالجريدة الرسمية، ليغدو قانونا كامل الصورة والبنية والشكل.
صحيح أن الملك قد مارس صلاحيات أفردها له دستور العام 2006 (على علاته وهلامية العديد من مواده). وصحيح أن الملك يعد مصدرا من مصادر التشريع المباشر. لكن إنشاء هيئة من هذا القبيل ليس من الاستعجال ما يستوجب إعمال فصل في الدستور لا يتم اللجوء إليه إلا في حالات الاستثناء، وضمنها حالة إعلان الحرب.
بالتالي، فإننا نتصور أن ظهير إنشاء الهيئة العليا للاتصال السمعي/البصري، إنما يعبر (بزمن حكومة التناوب في حينه) بأن مجال إصلاح القطاع السمعي/البصري إنما هو مجال خاص بامتياز، ومكمن سيادة غير قابل للتباري بشأن إصلاحه أو تدبير حاله ومآله.
+ الحالة الثانية، حالة تحرير المجال السمعي/البصري، والترخيص للخواص لولوج مجاله استثمارا واستغلالا للشبكات المرتبطة به.
بهذه الحالة أيضا، لم نقتنع بالمرة بالطريق الاستعجالي الذي تم نهجه، حيث جرى تكسير ظهير الاحتكار العمومي (ظهير مصادق عليه من لدن المارشال ليوطي بالعام 1924) بمرسوم من بضعة أسطر، في حين كان من المفروض أن يتم ذات التكسير بظهير موازي...وفي بعض الدول لم يتم تقويض الاحتكار العمومي الممارس على القطاعات الشبكية الكبرى، إلا باللجوء إلى استفتاء شعبي واسع، نظرا لرمزيتها وطابعها الاستراتيجي، وكونها المؤتمنة على مبادئ المرفق العام.
وعلى الرغم من أن تكسير ظهير الاحتكار للعام 1924، قد أفرز طفرة في عدد الإذاعات الخاصة، لكل منها حوض جهوي أو محلي في البث، فإن هذه الطفرة الكمية لم تفرز تعددية في نوعية البرامج، إما بحكم تشابه طبيعة ذات البرامج، أو على اعتبار الخلفية التجارية التي ثوت منذ البدء خلف هذه المحطات الإذاعية، أو رسمت لها الخط التمويلي (ومن ثمة التحريري) المفروض اعتماده، والاشتغال على أساسه من لدن هذه المحطة أو تلك.
لذلك نرى أن معظم هذه المحطات تمحور شبكتها في البث حول البرامج الترفيهية أو الرياضية أو "التنشيط الاجتماعي"، ولا نعثر إلا نادرا على برامج من "وزن ثقيل"، أي ذات مضامين جادة وغايات توعوية هادفة.
يبدو الأمر إذن ، بتحرير "المشهد السمعي"، بعيدا عن خلق أقطاب إعلامية جهوية، تثمن التنوع الثقافي واللغوي القائم بالبلاد، بل هو مجرد مدخل لخلق روافد جهوية ومحلية لسياسة إعلامية عامة قائمة، حتى وإن لم تكن مكتوبة أو جلية.
لكن المفارقة في هذا التحرير أنه لم يطل المجال التلفزي، بل عمد إلى استبعاده، بمسوغ تواضع سوق الإشهار المتبارى بشأنه، مقارنة بحجم الاستثمار الأولي، ومنطق ضمان استمرارية الفاعلين بفضاء ضيق.هكذا تم تقديم صيغة التبرير.
وهي صيغة غير مقنعة بالمرة فيما يبدو. على أن التفسير الأقرب لعين الصواب إنما يكمن في تخوف الدولة (الدولة العميقة بمنطوق "الربيع العربي") تخوفها من الصورة وثقافة العين، والعمل بالتالي على أن تكون الأداة التلفزية حكرا على المنظومة القائمة، قد يكون من شأن إشراك الخواص في تدبيرها، مخاطر وانزلاقات غير مأمونة العواقب.
بهذه النقطة أيضا، يبدو أن منطق التحكم من أعلى هو إذا لم يكن هو السائد، فهو على الأقل الوارد بكل تأكيد.
+ أما الحالة الثالثة، فهي حالة دفاتر التحملات إلي تقدمت بها حكومة عبد الإله بنكيران أشهرا قليلة فقط بعد وصولها للسلطة.
إنها محطة أساس في اعتقادنا، كونها تعبر عن عجز وزير الاتصال، ومن خلفه الحكومة برمتها، ناهيك عن وزن رئيسها، في تمرير دفاتر في التحملات، تضمنت موادها وبنودها مفاصل الإصلاح المنشود لقطاع الإعلام العمومي، وللقطاع السمعي والمرئي على وجه التحديد.
فعلى الرغم من أن الصيغة النهائية لهذه الدفاتر قد أجيزت واعتمدت من لدن حكماء الهيئة العليا للاتصال السمعي/البصري (أعلى هيئة دستورية للبث في مثل هذه القضايا)، فإنها لاقت معارضة شرسة من لدن القائمين على القنوات العمومية، لدرجة تحول الأمر معها إلى تراشق مباشر بالألفاظ من على صفحات الجرائد الورقية، ومن بين ظهراني مواقع التواصل الاجتماعي، وتهديدا لا بل وتصميما من لدن هؤلاء على عدم الأخذ بمضامينها، ورفض الاعتداد بتوجهاتها وتوجيهاتها.
ودفعهم الأساس في ذلك إنما هو القول بأن من شأن إعمال هذه الدفاتر "التراجع عن المكتسبات"، و"عودة التحكم في الإعلام"، بل وتم التلميح في البدء ثم المجاهرة فيما بعد، بأن هذه الدفاتر إنما تعبر عن توجه الحكومة والحزب الأول ضمنها، إلى "أخونة الإعلام"، تماما كما ألصقت التهمة ذاتها بحكام ما بعد الانتفاضات في تونس وفي مصر وفي غيرهما.
ودفعهم في ذلك أيضا إنما هو الزعم، زعمهم هم، بأن من شأن تفعيل بنود هذه الدفاتر التنكر "للمشروع الديموقراطي الحداثي"، الذي حمل لواءه الملك محمد السادس منذ وصوله للسلطة، ومن شأنه كذلك "التراجع عن هامش الحرية" الذي باتت تتمتع به هذه القنوات، بعد عقود من الرقابة المباشرة والتضييق المضمر.
لم تطل عملية المد والجزر هاته كثيرا، إذ سرعان ما أتى التحكيم الملكي على شكل إنذارين مباشرين قويين، وضعا الأمور في السياق العام الذي أخذته من حينه:
+ إنذار للحكومة، كونها دفعت، تقول حيثيات الإنذار إياه، بمشروع أشير إليه منذ البداية، بأنه صيغ بطريقة متسرعة، غير مكتملة النضج، ولم تخضع، فضلا عن ذلك، لمبدأ التوافق الذي اعتمدته الدولة منهجا في الحكم منذ أواسط تسعينات القرن الماضي. وعليه، فقد تم سحب الدفاتر جملة وتفصيلا، من بين يدي وزير الاتصال صاحب الاختصاص، ليتكفل به زميل له بالحكومة، مكلف بقطاع السكنى وتعمير المدن، لكنه مدرك بما فيه الكفاية لتضاريس الملف وتشابك خيوطه، بحكم إشرافه وإشراف حزبه على نفس الوزارة بحكومات سابقة.
+ وإنذار للهيئة العليا للاتصال السمعي/البصري، بأن تمت إقالة رئيسها ومديرها العام، كونهما، تقول الحيثيات المسربة، لم يتريثا في التصديق على الدفاتر، ولم يتمثلا جيدا حسابات ملف، البعد التقني فيه هو أهون الأبعاد وأقصرها، ولم يحصلا، إضافة إلى ذلك، على "الضوء الأخضر" من عل، الذي لا سير إلا بهداه المباشر في مسألة من هذا القبيل.
بهذين الإنذارين المباشرين، يبدو أن ملف إصلاح الإعلام السمعي/البصري لم يعد من اختصاصات الحكومة، وأن المتغير الذي راهنت عليه هذه الأخيرة اصطدم بالثابت القار، الذي لا يقبل التحول بالمرة، وإن قبل به فببعض من الجرعات المحسوبة، المـتأنية، والآتية إشاراتها من فوق.
لم تتوقف التجاذبات بصدور هذين الإنذارين، بل ذهبت بمناهضي المشروع، أو ما تبقى منه، لحد شن هجوم مضاد على رئيس الحكومة، حتى وهو في ضعفه وترهله، وانتفاء الحيلة من بين يديه ومن خلفه. لم يعد والحالة هاته، من أثر يذكر لواجب التحفظ الذي تفترضه المساطر الإدارية، ولا من قيمة اعتبارية للمؤسسات المنتخبة، صاحبة الشأن في اتخاذ القرار وفرض تنفيذه، بل تساوت السهام، وبدأ الاحتراب وجها لوجه، كل بحسب ما أوتي من قوة وذخيرة :
+ فمدير عام قناة البحر الأبيض المتوسط (وهي مؤسسة عمومية بامتياز) "رفض" الانصياع للمطالبين (من الحكومة ومن الجهاز التشريعي) بافتحاص مالي للقناة، على خلفية من ادعاءات رائجة حول سوء في التدبير وتسيب في التسيير، وأشار (المدير أعني) بالتلميح الذي لا يقبل التأويل، بأن لا رقابة للحكومة على "قناته"، وأن لهذه الأخيرة مجلس إدارة يحميها، ويؤشر على حساباتها بالسلب أو بالإيجاب أو بالتحفظ.
+ ومديرة الأخبار بالقناة الثانية (وهي مؤسسة لوزارة الاتصال الوصاية المباشرة عليها) لا تعير أنشطة الحكومة كبير اعتبار، لا بل ويذهب رئيس الحكومة ذاته لحد اتهام ذات المديرة بالتعتيم على تحركاته والتحامل على إنجازاته، وإخضاع تصريحاته لمقص الرقابة، وفي بعض الأحيان إخراج ذات التصريحات من السياق التي وردت في إطاره، فيما يشبه التشهير بالرجل والانتقاص من مبادراته، واستقصاده لشخصه.
+ ومدير القناة الأولى (وهي مؤسسة عمومية من عقود طويلة مضت) لم يمسس طبيعة شبكة القناة البرامجية، ولا طريقة المعالجة التي من المفروض أن تطال مؤسسة عمومية باتت تتمتع بالصفة المعنوية والاستقلال المالي، بل أبقى على الطابع الرسمي للقناة، ولكأن لا شيء يجري من حولها بالمرة، بالبلاد كما بخارجها.
ولكأن كل هذا غير كاف لتطويع رئيس الحكومة، وإركاعه يقول البعض، شن القائمون على الإعلام العمومي حملة شعواء على حكومة بنكيران، بدعوى محاولتها التحكم في الإعلام، ولكأن الرجل قد تمكن حقا من مفاصل القطاع، وباشر حقا وحقيقة في تصريف سياسته من بين ظهرانيه.
إن بالأمر تحدي واضح وسوء تقدير، وبه أيضا بعض من التقصير في الإدراك، ليس من لدن القائمين على الإعلام العمومي (وهم جزء من الدولة العميقة دون شك)، بل من لدن رئيس في الحكومة منحه الدستور صلاحيات واسعة لرسم سياساته العامة، ووضع الإدارة رهن إشارته، لتصريف ذات السياسة دون تلكؤ من هذه الجهة أو تردد من تلك، دع عنك سلوك المناهضة والرفض، لكنه اصطدم مع من يعتبرهم مناهضين للإصلاح، فيما لا يرد هؤلاء إلا بالقول بأنهم حماة حق مكتسب، وحاملو لواء مشروع في الحداثة والديموقراطية يبدو لهم مهددا ومستهدفا.
لقد قلنا، ومنذ أمد بعيد، بأن محنة الإعلام العمومي بالمغرب، والإعلام التلفزيوني تحديدا، إنما تتمثل في "التعايش" القسري بين سلطة الإعلام وإعلام السلطة:
+ وقلنا بأن التنابذ والتضاد بينهما هو تنابذ في الطبيعة والطبع، وتضاد في الغاية والوظيفة. إذ تنبني الأولى على سلطة الكلمة، تترعرع بالتشبث بها، ولا تقبل بالمزايدة على هامش الحرية الذي اقتطعته لنفسها من هنا وهناك. في حين تتكرس الثانية وتتشرعن بالاحتكام إلى كلمة السلطة.
+ وقلنا بأن الإعلام العمومي، والتلفزة على وجه التحديد، هي جزء من بنيان لا بنيان قائم الذات، أي أنه جزء من منظومة مادية ورمزية، هي التي تحدد له المرجعية ومجال الاشتغال وهامش الفعل وسقف الأداء.
ولما كان الأمر كذلك، فقد قلنا دائما بأنه من المتعذر حقا (لدرجة الاستحالة ربما) المساس بهذه التركيبة وهذا البناء. إنهما من مجال "سيادة خاصة"، تتجاوز على الحكومات والبرامج والسياسات.
القائمون على الشأن الإعلامي العمومي بالمغرب يدركون ذلك جيدا، ويدركون أن مقام المنابر التي يعملون بها هو من المجال الخاص، ومن ثمة فهم ليسوا مطالبين بتقديم الحساب إلا لهذه الجهة لا لسواها، حتى وإن كانت حكومة منتخبة، بامتداد شعبي واسع.
ولذلك، فإن فشل حكومة بنكيران (وحكومة اليوسفي من قبله) في إصلاح المنظومة الإعلامية، والتلفزيونية خصوصا، ليس متأتيا فقط من الإكراهات أعلاه، وهي مظاهر وعناوين ليس إلا. ولا هو متأت من غياب في العزيمة أو ضعف في التصور، ولا من تقصير في الرؤية حتى. إنه متأت من سماكة الجهاز المراد إصلاحه، وعصيه على التحول، وجنوحه "الطبيعي" للاستقلال عن الأحزاب والحكومات، فما بالك بالأفراد.
لذلك، فإننا نعتقد جازمين بأنه من الظلم، ومن الغبن أيضا، أن نعتبر أن فشل الإصلاح بهذا القطاع هو فشل لحكومة بنكيران في ذلك، وحكومة التناوب قبلها. بالعكس، فإن الذي جرى ويجري بالقطاع إياه، هو تأكيد لتصور قائم لدينا، مفاده أن الإعلام العمومي بالمغرب عصي على الإصلاح، لأنه مكمن رهانات وحسابات تتجاوز الأحزاب والحكومات والمشاريع.
* "عن الإعلام العمومي العصي على الإصلاح"، 14 يوليوز 2014. مجلة "زمان"، دورية، العدد 10-11، غشت-شتنبر 2014.