أمل عبد الفتاح، مركز أسبار للبحوث والدراسات والإعلام، الرياض، غشت 2013، 32 ص.
بمقدمة البحث، يقول الكاتب: لقد "تغيرت الظروف الدولية منذ انهيار المعسكر الشرقي، وأصبح نموذج التنمية الرأسمالي الأساس بغير منافس، وسوق المفكرون والباحثون الغربيون لـلنموذج الرأسمالي، انطلاقا من أفكار البقاء للأقوى والأصلح".
ويلاحظ الكاتب أن الفكر الرأسمالي قد عمل على استدامة وجوده بكل الوسائل، مثل البحث والتنظير "للأفكار الليبرالية" بوصفها الأفضل والأصلح لكل المجتمعات، ثم استحداث آليات ووسائل لاستدامة السيطرة الاقتصادية على دول "المحيط" أي المستعمرات، من خلال الاتفاقيات الدولية والشركات متعددة الجنسيات، وتقديم النصائح للدول المتعثرة، بانتهاج "سياسات الخصخصة التي تساعد علي التنمية"، وتقديم القروض والمساعدات، بدعاوى مساعدة الدول المحتاجة...الخ.
إلا أن تطبيق مبادئ الرأسمالية أحدث أزمات عدة، في المكسيك والبرازيل، والأرجنتين، ودول جنوب شرق آسيا عام 1997، نتيجة للديون وانهيار البورصات. وقد كان الطابع السائد لهذه الأزمات رغم اختلاف أسبابها، أنها في دول نامية، لكن كانت مفاجأة "الأزمة المالية العالمية عام 2008"، أنها طاولت الولايات المتحدة الأمريكية ثم عمت العالم، وتفاوت تأثيرها من دولة إلي أخرى، تبعا لمدى ارتباطها وذوبانها في الاقتصاد العالمي.
إن التاريخ يثبت، يتابع الكاتب، أن الرأسمالية منذ نشأتها، ما هي إلا تاريخ متبادل من الانتعاش والأزمات. "لكن المجتمعات الرأسمالية لجأت لآليات لتستديم وجودها، وتحاول تصدير أزماتها خارج حدودها، ليدفع فاتورة أخطائها الآخرون. ففي وقت الرخاء، تعقد الاتفاقيات والمعاهدات التي تؤكد الحماية التجارية والحماية من المنافسة الخارجية لصناعتها الوطنية، وفي وقت الأزمات، تكون اللعبة معدة سلفا لخروج الأزمات خارج الحدود، بدعاوى أن ثمة خطأ طارئا، ولابد للاقتصاد العالمي أن يتعاون لتصحيحه، بل ويطلب القطب الأوحد المساعدة لتجاوز الأزمة، بدعاوى إنقاذ الاقتصاد العالمي من أزمته المؤقتة، كما حدث عام 2008 من طلب المساعدة من الأصدقاء العرب وغيرهم".
أما العولمة، يؤكد الكاتب، فهي لا تعبر إلا على "نمط الإنتاج الرأسمالي الذي اكتمل منذ منتصف القرن العشرين، ثم تطور إلى دائرة التبادل والتوزيع والسوق والتجارة، ثم إلى عالمية دائرة الإنتاج وإعادة الإنتاج، ونشرها في كل مكان خارج مجتمعات المركز الأصلي، ورسملة العالم على مستوى العمق والاتساع، بعد أن كانت على مستوى النمط والمظهر، والتحول الرأسمالي في ظل هيمنة المركز في نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ. وهو ما يعني نجاح الغرب والولايات المتحدة الأمريكية في فرض الهيمنة على العالم، ويؤكد العلاقة الوثيقة بين الرأسمالية كنظام اقتصادي، وتجلياتها في كل المجالات في صورة العولمة".
ثمة إذن تلازمية قوية بين الرأسمالية والعولمة، يلاحظ الكاتب، "حيث تطلب تحقيق العولمة تلازم مركزية نمط الإنتاج الرأسمالي، خاصة أثناء الأزمات. ولولا هذه الأزمات لما طور هذا النمط الإنتاجي من إجراءاته، في فترات الرواج والركود والهيمنة. وقد ترافق تنامي العولمة مع تنامي الرأسمالية، وانطلاقها خارج حدود أسواقها الوطنية في أوربا إلى المستعمرات وأشباهها، وازداد تبلورها مع اتساع سيطرة الشركات الكونية على الأسواق العالمية، أسواق المال والاستثمار والأسهم والسندات والتجارة والإعلام والإعلان".
فالرأسمالية، رغم نشأتها الأوروبية، يقول الكاتب، لم تكن مجرد حركة محدودة بإطار وطني أو قومي، بل بدت نظاما عالميا لضم العالم في منظومة مندمجة، بِدءا من المرحلة المركانتيلية التجارية، ثم الثورة الصناعية والاستعمار، والمرحلة الإمبريالية وصولا لعصر العولمة. بالتالي، فالأزمات المالية والاقتصادية ما هي إلا الوجه الآخر للرأسمالية.
العولمة من هنا إنما تسعى إلى "إعادة تشكيل العالم وفق الإيديولوجيا والنموذج الأمريكي. ولكي تنجز مهمتها، تعمل على تفكيك وعزل جماعات المجتمع عن بعضها، ما يعني تصنيف مجتمعات كاملة كأقليات في النظام العالمي ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا، حينئذ يصبح الجميع قطع صغيرة في نظام عالمي، مما يخلق فضاء بلا حدود، تنتشر عبره المعلومات والتكنولوجيا، التي يقدمها منتج قوي إلى مستهلكين ضعفاء".
إيديولوجيا العولمة تتجسد هنا في تدفق رأس المال الأجنبي، والشركات العالمية، والاتفاقيات الدولية، وتكنولوجيا الاتصال، والتدخل العسكري، كما تعد الأزمات المالية العالمية جزءا من المنظومة الرأسمالية، حيث تمثلت أسباب أزمة العام 2008 في التوسع الكبير في الإقراض، لا سيما على مستوى تملك العقار، ثم انقطاع الصلة بين الاقتصاد المالي والاقتصاد العيني، ونقص الرقابة على المؤسسات المالية، مما أدى إلى توسع بعض البنوك في الإقراض لأكثر من ستين ضعفا من حجم رؤوس أموالها.
ورغم وضوح أسباب أزمة عام 2008، إلا أنه توجد عدة تفسيرات لها وفق الكاتب:
+ الاتجاه الأول ويعتقد بأن الأزمة أزمة مالية بالأساس. وينطلق هذا الاتجاه من الفكر الاقتصادي والسياسات الليبرالية منذ ثمانينيات القرن العشرين، ويؤكد "أن الأزمة انطلقت من أزمة الرهون العقارية، وتفاقمت لتمس الاقتصاد الحقيقي، وتتحول إلى انكماش يظهر في انخفاض معدلات نمو الناتج المحلي لدول العالم، وتراجع الطلب والإنتاج في عدة قطاعات إنتاجية، ما انعكس في انخفاض طلبات هذه القطاعات وإنتاجها وتسريح العمال. وسبب الأزمة هو اللاعقلانية واللا أخلاقية" للمضاربين الماليين مسيري البنوك وصناديق الاستثمار".
+ أما الاتجاه الثاني فيعتبر أن الأزمة أزمة هيكلية وبنيوية. ويضم هذا الاتجاه باحثين في الاقتصاد وعلم الاجتماع، "يرون أن السياسات الليبرالية لم تشجع على النمو، بل أدت إلى الأزمة الهيكلية المتكونة في بنية النظام الرأسمالي، لتتشعب إلى أبعاد عدة مالية وغذائية وبيئية. وتنطلق الأزمة من عولمة اقتصاد السوق، الذي يهدف إلى خلق الحاجات الاستهلاكية، وليس مجرد إشباعها".
ففي عام 1991، كان 5 % من الأمريكيين يمتلكون 90 % من الثروة القومية، وهو ما يدل على أن المعضلة معضلة بنيوية، وسببها العولمة النيو ليبرالية المنفلتة، والفجوة المتزايدة داخل الدول بين الفقراء والأغنياء، وتضخم أسعار المواد الغذائية والطاقة.
من هنا، فإن الأزمة المالية العالمية للعام 2008 هي نتيجة من نتائج العولمة، حيث يري فريدمان أن "التدمير الخلاق" هو جوهر الرأسمالية، أي دورة دائمة لتدمير المنتج أو الخدمة القديمة الأقل كفاءة، وإحلال الجديد الأكثر كفاءة.
إنها أي العولمة، نظام جديد، له ثقافته الخاصة المميزة التي تميل إلى تحقيق التجانس مقابل اللا- تجانس، وفرض التماثل ورفض اللا- تماثل، وتحقيق التكامل.
من جهة أخرى، يعتبر الكاتب أن انهيار البورصات يعد أحد وسائل الليبرالية الجديدة والعولمة، "في ممارسة عمليات الابتزاز بالقانون، بداية من خداع صغار المستثمرين، الذين يغريهم ارتفاع قيمة الأسهم، ما يدفعهم للشراء. وتبدأ الكارثة حينما لا يرتفع سعر السهم فيتوقف الشراء، وبالتالي يهبط السعر، فيبيع صغار المستثمرين الأسهم قبل تعرضهم للخسارة، وبالتالي ينهار سعر السهم. وكل معلومات التراجع والانهيار متاحة في الشركات الكبرى وأصحابها، الذين من مصلحتهم استمرار المناورة على هذا النحو لامتصاص آخر فلس. هنا يبقي الداخلون الجدد هم كلمة السر. وما يحدث في البورصات الصغيرة يحدث بالقدر نفسه على صعيد سوق المال العالمي، عندما تتجمع كافة البورصات لتصب في المركز وول ستريت. حينئذ تتم التضحية بصغار المستثمرين لصالح المشروع الإمبراطوري الكبير، لإطالة عمر الإمبراطورية الاقتصادية".
لقد أكد موريس ألي، يقول الكاتب، معتمدا على معطيات البنك الدولي للتنمية، "أن السيولة المالية المرتبطة بمضاربات البورصة على العملة والمواد الخام والمنتجات المشتقة (تأمين مخاطر المضاربة) اليوم أكبر 40 مرة من الاقتصاد الواقعي (إنتاج السلع والخدمات). بمعنى أن المرء يكسب، بشرط أن يكون له ضمانة بنكية، من المضاربة ما يعادل 40 ضعفا لما يكسبه من العمل".
ومن المفارقة، يلاحظ الكاتب، أنه بعد حدوث أزمة العام 2008، نجد الرئيس الأمريكي يطالب الحلفاء والأصدقاء داخليا وخارجيا، بمد يد العون لأمريكا حتى تستطيع الخروج من ورطتها، وترتب على ذلك، إبداء بعض الدول العربية استعدادها لضخ 1000 مليار دولار.
ومن المفارقة أيضا أن المقصود من سيناريو الأزمة إنما جر العالم لمعالجة أخطاء وتصدعات المشروع النيوليبرالي، ثم الأزمات الداخلية الأمريكية. ويدعم هذا القول نظرية "الفوضى الخلاقة"، التي تستهدف إحداث الفوضى للتعرف على الأوزان الحقيقية للقوي، حتى يمكن البناء على النتائج المتحصلة من هذه الفوضى.
نافذة "قرأت لكم"، 9 غشت 2013