لم يلق مصطلح الحكامة من الرواج والانتشار ما لقيه سلفه العولمة. والسبب، في تصورنا، لا يأتي فقط من كون المصطلح "اكتشاف جديد"، قياسا إلى مصطلح العولمة الذي يرى البعض في قدمه قدم الإنسان نفسه، ولكن لأن المصطلح يحوي قدرا كبيرا من التقنية، وتحيل مقاربته على أكثر من علم تجريدي دقيق، عكس مصطلح العولمة الذي وظف " بكل ألوان الطيف"... وهو لربما ما زاد من درجة الإبهام التي تطاله.
العولمة هي نمط في تدبير العلاقات الدولية، لا على أرضية من تواجد دول وشعوب وحدود وحواجز ولوائح وسلط وطنية، ولكن على أساس من كونها (أي العلاقات الدولية) تيارات سلع ومال وخدمات ومعارف ورموز، لا تحتكم لسلطان ترابي ولا لمرجعية وطنية، ولا تخضع لتراتبية معينة ولا ترى، فضلا عن ذلك، في الحكومات والدول والبرلمانات (والعدالة أيضا) إلا وحدات تابعة، لا مؤسسات يأتمر " فاعلو" العولمة بأوامرها.
أما الحكامة فهي، بامتداد وظاهرة العولمة، إنما تعنى بممارسة التسيير العقلاني والرشيد لمنظمات ومؤسسات ونشاطات مختلفة (من المقاولة إلى المدرسة إلى الجامعة إلى البيئة، إلى غيرها من الأنشطة البشرية الأخرى) ليس فقط من باب إعمال الشفافية والمحاسبة، بل وكذلك على أساس من مطلب "التشاركية" واللامركزية، وتحريك "المبادئ الديموقراطية"، على كل مستويات الفعل والتنظيم الاجتماعي.
وعلى هذا الأساس، فالمصطلح، مصطلح الحكامة، لا يوظف فقط من لدن العلوم الإدارية، لفهم مشاكل تسيير المؤسسات الكبرى، ولا من طرف دارسي المجال الحضري، لملامسة إشكالية التمركز واللاتمركز واللامركزية فحسب، ولكن أيضا من قبل المشتغلين بالعلوم السياسية، الذين يرون في تقوي البيروقراطيات وتزايد الممارسات اللاعقلانية في تدبير الشأن العام، وجها من وجوه إفلاس الدولة المركزية، وانفلات مكوناتها ومجالاتها، لدرجة انبعاث " فاعلين جدد" من تحت أقدامها (مؤسسات ما يسمى ب"المجتمع المدني") ومن فوق رأسها (فاعلو العولمة الجدد، من شركات عابرة للقارات ومؤسسات مالية متجددة ومنظمة التجارة العالمية والملتقيات الاقتصادية الكبرى وغيرها).
لو كان لنا أن نستجلي أوجه التقاطع بين الظاهرتين (ظاهرة العولمة وظاهرة الحكامة) لاستجلينا إجمالا ثلاثة أوجه كبرى:
+ أما وجه التقاطع الأول، فيتمثل في التراجع المستمر لدور ووظيفة الدولة/الأمة (الدولة/الرفاه كما كان رائجا) لا فقط كقوة إنتاجية وأداة توزيعية ووحدة فاعلة في العلاقات الدولية، ولكن أيضا كمكمن للمشروعية التي تعتبر هذه العناصر مجتمعة تجليها وتمظهرها.
معنى هذا أنه إذا كانت ظاهرة العولمة قد ساهمت (وإلى حد بعيد) في الانتقاص من مشروعية الدولة (نتيجة المساهمة في تأزيم أدوارها ووظائفها)، فإن الحكامة ذاتها تعمل باتجاه تعرية ما بقي من المشروعية إياها، ليس فقط على المستوى القطري (تطبيق النظرة الاقتصادية شبه الخالصة على المجالات الاجتماعية والسياسية وغيرها)، ولكن أيضا على مستوى الممارسة والتطبيق، من خلال العمل على تقوية القطاع الخاص والدفع بمكونات "المجتمع المدني"، والتركيز على دمقرطة ميكانيزمات التسيير والتدبير، و"الدفاع" على منظومة وقيم حقوق الإنسان.
ومعناه أيضا أن الحكامة إنما تعمل، بموازاة و"وصايا العولمة"، على خلق مؤسسات وسلط "جديدة" من داخل الدولة، أو تقوية من هي بخارجها (كتقوية المناطق والمدن والجهات) أو من تحتها وفوقها سواء بسواء، كالدفع بمنطق التجمعات الجهوية، وتزكية المبادرات الأفقية وما إلى ذلك.
+ ووجه التقاطع الثاني بين العولمة والحكامة، لا يكتفي بالتنقيص من دور الدولة/الأمة (عبر الدفع بالمؤسسات المدنية المنافسة لها)، ولكن يتعدى ذلك إلى المطالبة بتحييد ذات الدولة/الأمة، وتحويلها إلى الأفراد والجهات والوحدات ذات المصالح الخاصة والتطلعات الفئوية.
وبناء على ذلك، يعتقد الليبراليون الجدد (المتخصصون في قضايا التنمية والتدبير) أن الإصلاح المؤسساتي الذي تدفع به "نظرية" الحكامة زمن العولمة، إنما يرتكز على "أن الديناميكية العامة للسياسات الماكرو اقتصادية الليبرالية واللامركزية والخوصصة، تفتح أبوابا جديدة للاستقلالية، للمبادرة الفردية الحرة وللمشاركة. وهو ما سيقوي حتما قيم المجتمع المدني في مواجهة سلطات عمومية متجمدة وجامدة".
ليس غريبا إذن أن يربط هؤلاء في "رزمانة واحدة"، الإصلاح الإداري والحكامة والديموقراطية و"بناء المجتمع المدني"، تماما كما يربطوا بين الشفافية والعقلانية وحسن التدبير وتراجع البيروقراطية والمركزية وغياب التشاورية وهكذا.
+ أما وجه التقاطع الثالث، فيكمن في التوجه المتزايد باتجاه فصل الديموقراطية عن العمل السياسي، لا من باب الآليات فحسب، بل وأيضا بزاوية المضمون والجوهر.
معنى هذا أن القرارات الكبرى (التي تؤثر في الحاضر وترهن المستقبل) لم تعد من صلاحية الحكومات "الوطنية" كما كان الحال من ذي قبل، بل أصبحت من اختصاص مؤسسات تحت/وطنية وفوق/وطنية.
ومعناه أيضا، أنه ما دامت الحكامة تتكرس في فضاء معولم (جارفة بذلك سلطة الدولة/الأمة) فإنها تدفع حتما باتجاه انبعاث فاعلين (محليين وجهويين، فئويي المصالح) تماما كما تدفع باتجاه تحويل التكتلات ما فوق/الوطنية إلى مراكز للقرار جديدة، ذات صفة تقنوبيروقراطية (وليست سياسية) كالاتحاد الأوروبي واتفاقية التبادل الحر لأمريكا الشمالية، ومؤسستا البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وأيضا منظمة التجارة العالمية.
هي ترتكز إذن على جعل قراراتها وتوصياتها شروطا قبلية "لممارسة التنظيم السياسي، الكامن في المؤسسات التشريعية الوطنية أو المحلية"، أو من المفروض على الأجهزة التنفيذية الوطنية اعتمادها (ولكنها تعبر عن قوانين تنظيمية ذات طبيعة سياسية.
والعولمة من جهتها تفرز (شأنها شأن الحكامة في ذلك) مجموعة ممارسات تدفع بذوي المصالح الفئوية الخاصة إلى التكتل والعمل المشترك، منتجين بذلك توافقات اجتماعية من خارج التنظيم السياسي ذاته.
الحاصل إذن أن العولمة والحكامة مجتمعتين، إنما تدفعان باتجاه إخضاع التنظيم السياسي لتوافقات اجتماعية تقنوبيروقراطية وفئوية، من خارج النسق السياسي ومن خلال تجاوز لمشروعيته.
* "في العولمة والحكامة"، 1 يوليوز 2013.