تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الرداءة كقيمة تلفزيونية

news-details

1- للرداءة بالتلفزة في المغرب مصدران :

- فهي إما نتاج تشوه خلقي مزمن، قد لا تنفع معه سبل العلاج، وتحول دون استعادة صورته الطبيعية أدوات التجميل.

- أو هي من فعل فاعل، لن تكون لها من كائنة تذكر إلا بوجوده أو بإمعانه في التواجد إلى جانبها.

والواقع أن تاريخ الرداءة بالتلفزة في المغرب هو من تاريخ اندغامها (أي التلفزة) في جهاز السلطة، ومن تاريخ توظيفها لشرعنة ذات الجهاز، وانصرافها عن ذاتها لفائدته وفائدة القائمين عليه.

لم يختلف الأمر كثيرا اليوم، قياسا إلى ما كان سائدا بمغرب ما بعد الاستقلال، أو بالاحتكام إلى قرار إلحاق التلفزة بوزارة الداخلية أواسط الثمانينات. ولم تشد سنوات "حكومة التناوب" أيضا عما كان (ولا يزال) القاعدة، لا بالقياس إلى ما عبرت عنه في تصريحاتها من احتقان موضوعي إزاء "المسألة التلفزية" بالمغرب، ولكن أيضا احتكاما إلى كونها راهنت على تكسير القاعدة إياها، ووضعها لمصداقيتها في المحك على خلفية من ضرورة تطبيع وضعية الشذوذ الإعلامي هاته.

ليس من المجازفة في شيء هنا الجزم بأن سنوات "قيام" حكومة التناوب على التلفزة إنما هي وبامتياز امتداد، في الشكل كما في الجوهر، لسنين طويلة تحولت بموجبها التلفزة إلى جزء من جهاز لا جهازا قائما بذاته، وجزءا من بنيان فوقي قائم، لا قائمة لها بدونه تذكر.

ولما كانت التلفزة، طيلة هذه المدة، تعبيرا عن نبض السلطة لا عن نبض جماهير المشاهدين، فإن رضى السلطة تلك عن أدائها، لم يوازه في الحجم إلا تذمر الجماهير هاته، ونفورها عنها بالجملة والتفصيل.

"قيمة" الرداءة بالتلفزة في المغرب هي، إذن وبكل المقاييس، تشوه في الخلقة لم تستطع الحكومات المتعاقبة مداواته قبل الاستفحال.

وهو أيضا من فعل فاعل، استكثر على المغاربة تلفزة تعكس واقعهم (لا واقع السلطة من بين ظهرانيهم)، وتكون أداة لترجمة تطلعاتهم، وترصيف المستقبل أمامهم، لا أداة لتطلع السلطة في الموسطة والتموسط.

2- ليس الهدف هنا التأريخ لتطورية الأداء التلفزي بالمغرب على خلفية من  "قيمة" الرداءة التي لازمته لأربعة عقود، ولا تزال إلى اليوم سمته الجوهرية، بقدر ما سنحاول استقراء شبكة التلفزة المغربية بالقياس إلى ذات "القيمة".

فبصرف النظر عن "الأخبار" التي غالبا ما تبقي، في شكلها كما في الجوهر، على طبيعتها وآليات اشتغالها ورداءتها في التغطية كما في الأداء، فإن ما سواها من برامج ومسلسلات وسلسلات تلفزية يبلغ من القتامة والضعف ما يستهجنه المواطن العادي لدرجة التقزز.

+ فالبرامج الدينية شبه غائبة، وإن وجدت فهي لا تتعدى اجترارها لما سبق بثه وترويجه. لا مجال للتنقيب عن السر في ذلك، فعلماء الدين بالمغرب أفذاذ بكل المقاييس، وفقهاءه مبرزون دونما منازعة، ولوزارة الأوقاف من الأموال والمداخيل ما يمكنها من إنتاج "سير إسلامية" ضخمة، لا برامج دينية من داخل الأستوديو، وللقائمين على التلفزة كل المبررات لتمرير ذات البرامج،  وللمشاهدين أكثر من مسوغ لتتبعها وإن في كثافتها...وتواضع بعضها.

سيكون هنا من حكم القيمة الخالص أخذ التلفزة بجريرة وزارة الأوقاف و لا محاسبة القائمين على الأولى بتقصير الثانية، إذ المسؤولية، بهذه النقطة بالذات، هي على الوزارة إياها، لا على التلفزة، حتى وإن كان لهذه الأخيرة أن تنتج من البرامج الدينية ما لا "يغضب" ذات الوزارة، أو يتقاطع مع تصورها للدين في المغرب.

وبقدر ما يخال لنا أن خدمة الدين (في تصور هذه الوزارة) تكمن  في جزء منه في تغييبه ومن الحؤول دون موسطته إعلاميا (حتى في أفضل الشهور عند الله)، فإنه يخال لنا ولكأن خدمته في تصورها هو أيضا من فصله عن التلفزة...أي في تكريس "علمنته التلفزية".

 + وبصرف النظر عن مركزية البرامج الدينية والتقصير الكبير الذي يطالها، فإن البرامج الثقافية ذاتها لم تخرج عن السياق العام الذي حكمها منذ البدء، وتحكم في توجهها.

قد لا يكون مكان تقييمها، على هذا الأساس، ضروريا هنا ما دامت لم تشد عن مسارها الدوري العادي، لكنه يبقى مع ذلك واردا هنا على اعتبار القابلية المتزايدة على "استهلاك" البرامج الثقافية من لدن المتلقي المغربي.

هل من المفروض هنا أيضا (أعني في البرامج الثقافية) أن نؤاخذ أو نأخذ التلفزة بجريرة المعدين إياهم، أو بجريرة وزارة الثقافة كونها "المنتج الغائب" للثقافة بالمغرب؟

قد يجوز ذلك وإلى حد بعيد، في حال اعتبار التلفزة وعاء لترويج الثقافة لا فضاء إنتاجها، إذ الإنتاج بداية المطاف ونهايته، من "اختصاص" أفراد وجماعات ومؤسسات للتلفزة بداخله دور المروج لا دور المنتج.

لكنه غير جائز بالمرة في حال اعتبار التلفزة لا وعاء لترويج المنتوج الثقافي، بل فضاء يندغم في صلبه الجهاز بالمضمون ...البنية الباثة بالمادة المبثوثة.

 نحن إذن بهذه النقطة أساسا، بإزاء تقصير فردي ومؤسسي، لكنه أيضا تقصير في العمل التنسيقي بين التلفزة ووزارة الثقافة.

+ لا تقتصر الرداءة (الناتجة في جزء منها عن التقصير) على البرامج الدينية والثقافية، بل تتعداها إلى مستويات عليا، فيما يخص "البعد الترفيهي" الذي غالبا ما تراهن عليه التلفزة لتأثيث شبكتها.

والواقع أن "السلسلات" والأفلام المقدمة في أحسن فترات البث، هي من الارتجالية والسطحية والسذاجة والسوقية ما يجعلها مادة نشاز، تصدم المشاهد العادي وتستصغرته لدرجة التنديد الصريح بها ومطالبة العديد بضرورة إيقافها.

قد لا يكون من الموضوعي، في سياق كل هذا، إلقاء اللوم أيضا على التلفزة أو على القائمين عليها: فهم يستفتوا "نجوم التلفزة" ويختاروا "ألمعهم"، ويفوضوا لهم بالتالي الأمر جملة وتفصيلا.

 أين إذن جانب تقصير التلفزة في ذلك، إذا كانت النتيجة دون المستوى، و"العطاء" قاتما، والتذمر بعد البث شاملا...فهم لم يعملوا، بالمحصلة، إلا تقديم "أحسن" ما يوجد من بين ظهرانينا من "الفنانين"؟

على من اللائمة في كل هذا؟

قد يكون من الهين إلقاءها على هذه الجهة أو تلك والبحث، في تبرير ذلك، عن مسوغات قد يكون جزء من الحقيقة في صلب كل واحدة منها.

لكنها تتراءى لنا بالأساس في المناخ العام السائد (أو المراد له أن يسود لسنين أخرى)، أي في التركيبة الاجتماعية والسياسية والنفسية والأخلاقية التي أفرزت (ولم يكن لها إلا أن تفرز) الرداءة من بيننا والميوعة من بين ظهرانينا.

هو المناخ العام ذاك والتركيبة تلك اللذان استنبتا وما فتئا يستنبتان الرداءة ضمننا، لا كرد فعل بل، وأيضا كفعل مقصود ومراد... ومطلوب.

ليس غريبا، بناء على هذا، أن تتحول الرداءة بالتلفزة (كما بغيرها) من حالة بنيوية إلى "قيمة" مجتمعاتية، ترصد لها الأموال العامة ويجند لها أشباه المثقفين والفنانين، للدفع بها وللدفاع عنها دون خجل.

* "الرداءة كقيمة تلفزيونية"، 23 دجنبر 2013.

يمكنكم مشاركة هذا المقال