لم تكن التكنولوجيا يوما (من ذي قبل أقصد) محكومة بهوس السوق، ولا خاضعة في المطلق لاعتباراته، إذ كانت البحوث المرتبطة بها، في الغالب الأعم، خاضعة لمنطقها هي، محكومة بصيرورتها الذاتية، غير مكترثة بما يفرضه السوق، أو يعتمل بداخله.
والواقع أنه لحين انتصار الثورة الصناعية الأولى، لم تكن التكنولوجيا آبهة بإكراهات السوق الرأسمالي الناشئ، ولا بمتطلبات الفاعلين فيه، بقدر ما كانت مرتكنة إلى فضائها الخاص المستقل، لدرجة التقوقع والانغلاق على الذات. بالتالي، فإذا كان لبعض من "مخرجاتها" أن تتموسط تجاريا بالسوق، فذاك لم يكن إلا من باب الاستثناء الذي لا يؤسس، إلا في حالات نادرة، للقاعدة العامة.
لم يكن السر كامنا في تنافر طبيعي من نوع ما بين "مؤسستين" (مؤسستا السوق والتكنولوجيا) تبحث كل منهما عن شرعية واعتراف، بل نابعا من الاعتقاد السائد بأن لكل منهما فضاءه، و"وظيفته"، ومنظومة للقيم خاصة به.
فالمختبر لم يكن ينظر إليه كمؤسسة إنتاجية تقاس قيمة "منتجاتها" احتكاما إلى قواعد السوق، بل كمرفق لمخرجاته قيمة في حد ذاتها، سواء اعترف لها السوق بذلك أم لم يعترف.
بالمقابل، لم يكن السوق ينظر إلى التكنولوجيا نظرة اعتبار كبرى، ليس فقط كونه يعتبرها (وإن في إرهاصاتها الأولى) مصدر تكلفة وتبذير، بل وأيضا لأن نتائجها تبدو له غير مضمونة، والربحية المتأتية منها بعيدة المدى والمنال، وبناء عليه، فلا مجال للاستثمار فيها، أو الاهتمام بالفاعلين فيها، أشخاصا كانوا أم مؤسسات.
وعلى هذا الأساس، فقد اشتغلت التكنولوجيا ولأمد بعيد، على خلفية من الاستقلالية الشبه مطلقة إزاء السوق، لا في محدداتها الأساسية الكبرى فحسب، ولكن أيضا في آليات اشتغالها زمانا وفي المكان. وهو لربما السبب الذي جعل التطورات التكنولوجية (على الأقل إلى حدود أواسط القرن الماضي) بطيئة، ومفعولها في الاقتصاد والمجتمع غير ذي أثر كبير.
ولئن كان من الثابت تاريخيا أن الربع الأخير من القرن العشرين كان شاهدا وبامتياز على الطفرة التكنولوجية الكبرى، التي طالت ميادين علوم الحياة والأرض والبيولوجيا والفيزياء والمعلومات وما سواها، فلأن البحث العلمي والإبداع التكنولوجي لم يعدا محكومين بمنظومة "البحث من أجل البحث"، بل انفتحا على "غريمهما التاريخي" (السوق أعني) الذي تسنى له اختراق ذات المنظومة لدرجة ارتهانها، وإخضاعها لتصوره وصيرورته.
لو كان لنا أن نرصد تبعات ذات الارتهان، وما ترتب عن ذات الإخضاع في الشكل والجوهر، لوقفنا بالمحصلة الأولية عند ثلاثة مظاهر كبرى تبين لذلك بوضوح وجلاء:
+ المظهر الأول ويتمثل، فيما نتصور، في قدرة السوق الفائقة على تقويض المبدأ القائم منذ القدم على أن للتكنولوجيا قيمة في حد ذاتها، كائنة ما تكن أدوات التقييم الأخرى، وفي مقدمتها أدوات السوق. وهو أمر قد لا يتعذر التحاجج بشأنه إن نحن سلمنا به جدلا، إذ لا " قيمة"، في ذهن منظري السوق، لبحث علمي أو إبداع تكنولوجي كيفما علا شأنهما، إذا لم يستنبتا "شرعيتهما" من الحاجة (حاجة السوق) الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، التي تبررهما وتمنحهما القاعدة الرمزية والمادية التي تضمن لهما التجلي والشيوع.
ومعنى هذا، في نظر هؤلاء، أن لا " قيمة" لمستجد تكنولوجي إذا اكتملت معالمه بالمختبر، ولم تلتقطه الحاجة المتمظهرة بفضاء السوق، وإلا للتدليل على ذلك، فما قيمة إهدار الوقت (والمال أيضا) لاستكشاف عقار افتراضي لمرض افتراضي، حتى وإن كان منظورا على المدى البعيد.
لا يقتصر أمر الاختراق هذا على مستوى الاستقطاب، بل يتعداه لدرجة مطالبة السوق ب"ضرورة" احتكام التكنولوجيا إليه (وإليه فقط)، في كل عمليات الإبداع والتطوير والتطبيق وما سواها.
+ المظهر الثاني ويكمن بالأساس، على الأقل بالنسبة لمنظري السوق، في نجاح هذا الأخير في فرض أفقه الزمني، كأفق مركزي للبحث العلمي والإبداع التكنولوجي. من هذا المنطلق، لم يعد المدى الزمني البعيد (الذي من المفروض أن تختمر في ظله التكنولوجيا)، لم يعد أمرا ثابتا، بقدر ما أضحى "عائقا هيكليا" أمام فاعلي السوق المهووسين بالزمن القصير، بالأفق المحصور وبالمدى المنظور.
ومعنى هذا أن "لا فائدة" من بحث علمي وإبداع تكنولوجي طويل المدى، غير محكوم بأفق زمني محدد، ومضبوط، وغير خاضع لهوس التطبيقية المباشرة التي تحكم دورة رأس المال المؤدية للإنتاجية والربحية، وتسريع ذات الدورة في الزمن والمكان.
وعلى هذا الأساس، فالتكنولوجيا لم تعد من هنا "ترفا علميا"، يقوم عليه علماء وباحثون داخل مختبرات مغلقة، بقدر ما أصبحت محكومة بمحددات تطبيقية، يدفع بها السوق ويرعاها ولا يأبه بسواها، إذ لا معنى، وفق هذا المنطق، للمضمون المعرفي للتكنولوجيا إذا لم تتحول إلى تطبيقات وإلى "سلع" بنهاية المطاف.
+ المظهر الثالث ويخال لنا كامنا في التوجه القائم من لدن السوق، بجهة فصل التكنولوجيا (كمعارف وكتقنيات)، ليس فقط عن بعدها الثقافي كإفراز لمنظومة قيم معينة، بل وكذلك عن الخلفية الأخلاقية التي من المفروض أن "تقيد" البحث العلمي والإبداع التكنولوجي، وما يترتب عنهما من مستجدات وتطبيقات.
ومعنى هذا أنه لو سلمنا جدلا بأن للسوق "ثقافته" و "منظومته للقيم" خاصة به، فإنه من القائم السائد أيضا أنه لا يكترث كثيرا بالأخلاق، ولا تؤخذ كمحدد من محددات تفكيره واشتغاله. ومعناه أيضا أن السوق لا يحتكم في تعامله مع التكنولوجيا إلى "محاذير أخلاقية"، من شأنها الحؤول دون ورود تصادمات مع المجتمع، بل ويعتبرها حجر عثرة في وجه تطلعاته وصيرورته "الطبيعية".
لا يروم التلميح هنا فقط إلى عزم السوق مثلا على الاستمرار في تطوير برامج التحويل الجيني للأحياء، ولا إلى التجارب التي تأخذ الإنسان مادة لاشتغالها، بل وأيضا إلى مشاريع استنساخ الجنس البشري دونما اعتبار يذكر لهوية ذات الجنس، أو للعواقب النفسية التي من شأنها أن تترتب عن ذلك.
إذا لم يكن من العيب في شيء أن تتفاعل التكنولوجيا (معرفة وأدوات تقنية) مع فضاء السوق في تعذر تجاوزه، فإن العيب ربما يكون كامنا في التوجه المضطرد من لدن السوق بجهة إدغام التكنولوجيا في ذاته، وتحويلها إلى رافد (ليس إلا) من روافده، تشتغل منظومتها العلمية والإبداعية على خلفيته ووفقا لدواعيه.
المفارقة في ذلك إنما تتمثل في أن التكنولوجيا هي، بداية المطاف ونهايته، معرفة... ولما كانت كذلك، فإنها غير مطالبة بالانصياع لمنطق وطقوس العرض والطلب التي تخضع لها السلع والخدمات...وهو ما لا تسلم به "منظمات السوق" (منظمة التجارة العالمية أولاها) التي صنفت معظم الروافد التكنولوجية "كسلع" تخضع في حالها ومآلها لقانون السوق والمتاجرة.
صحيح أنه ليس من مصلحة التكنولوجيا أن تبقى متقوقعة حول نفسها، غير مكترثة بردود فعل السوق، لكنها لا تستطيع في اشتغالها الاحتكام إلى مداه الزمني، ولا إلى إكراهاته القبلية.
ومعنى هذا أنه لو كان للتكنولوجيا ألا تتجاهل السوق بالمرة، فهي غير مطالبة بالانصهار في "منظومته"، ولا أن تتجاوب مع تصوره للبحث والإبداع. بالتالي، فتفاعلهما المطلوب لا يجب أن يلغي الخصوصية التي يتميزان بها عن بعضهما البعض.
ثم حتى لو سلمنا بانتفاء أشكال "الهيمنة" المذكورة هاته للسوق على التكنولوجيا، فهل من المقبول (والمبرر فضلا عن ذلك) التسليم بحتمية تجاوز السوق للأبعاد الأخلاقية، التي غالبا ما تترتب عن اندفاع الباحثين (أو جزء منهم على الأقل) لدفع البحث العلمي والإبداع التكنولوجي إلى أقصى مداه دونما رادع أو محذور يذكران؟
بالتأكيد، يقول منظرو السوق، ودفوعاتهم في ذلك إنما تتلخص في القول بأنه إذا اشتغل البحث والإبداع (ومن خلفهما السوق) بوتيرة لا تستطيع الأخلاق مجاراتها، فليس من الموضوعية في شيء التحامل في ذلك عليهما، بقدر ضرورة التساؤل في طبيعة الأخلاق نفسها، وطبيعة حركيتها، ومستوى تجاوبها مع التحولات العلمية والتكنولوجية الجارية.
وهو تمثل سليم إلى حد بعيد، يقول أصحاب الرأي المعتدل، لكنه يبقى مع ذلك (أعني التمثل) مكمن مخاطر كبرى، إذ لطالما استتبع هوس سبر أغوار الطبيعة مستجدات خربت الغلاف الجوي، أو جعلت الكون تحت رحمة ذات المستجدات، كما هو الحال مع التهديدات التي حملتها أبحاث الذرة وغيرها.
بالمقابل، يعتقد أصحاب الرأي المخالف، أنه لو تركت التكنولوجيا (بحثا علميا وتطبيقات تقنية) للسوق دونما محاذير أخلاقية محددة، فإنها لن تستطيع خدمة الإنسان إلا بالقدر الذي تضره، ولربما أكثر من ذلك بكثير...بالتالي، فهم من هنا لا يدفعون فقط بضرورة تفاعل التكنولوجيا مع السوق على أرضية أخلاقية محددة صارمة، بل يطالبون في خضم ذلك بضرورة تخليق السوق...كمدخل موضوعي لتخليق التكنولوجيا والعكس بالعكس...
* "عن السوق والتكنولوجيا"، جريدة التجديد، الرباط، 7 ماي 2014.