الحديث في الحق في الإعلام ليس بالضرورة من الحديث في قانون الإعلام، ولا في الأبعاد القانونية للحق في الإعلام. والفارق بين المستويين هو، فيما نعتقد، من الفارق بين الحديث في الحق في الإعلام كحقوق وضمانات، وبين الحديث في قانون الإعلام كواجبات والتزامات...
هذا التمييز (بين الحق في الإعلام وقانون الإعلام) ليس حتما تمييزا إجرائيا، أو ذو حمولة عملية، لكنه بالأساس ذو طبيعة إذا لم تكن أخلاقية خالصة، فهي على الأقل ذات خلفية فلسفية بجهة التساؤل في من الذي يحدد الآخر، قانون الإعلام أم الحق في الإعلام، ومن الذي من المفروض أن يجر الآخر ؟
هي مسألة جوهرية بالغة الأهمية: هل واقع الحال هو الذي من المفروض تقنينه وتنظيمه، أم الواجب هو تحديد الإطار العام القانوني، الذي من شأنه أن يؤطر الحق في الإعلام، كما ما سواه من الحقوق؟
هناك مسألة جوهرية ثانية لا تقل عن الأولى أهمية: هل من الضروري إثارة الحق في الاتصال، على اعتبار أن لا إعلام يذكر إذا لم يموسط له، أو تتم الموسطة له تقنيا أو أدواتيا، أم ترى أن لكلا الحقلين فضاءه؟
لماذا هذا التساؤل؟ لسببين أساسيين اثنين :
- أولا لأن الإعلام هو مضامين ومحتويات، في حين أن الاتصال يحيل على البنى التحتية وعلى الشبكات... والتي تحيل بدورها على نظريات الإرسال والتلقي وغيرها.
- ثانيا، لأن لا حق في الإعلام إذا لم تتوفر هناك منظومة للحق في الاتصال، بما هي منظومة لتقنين سبل الاتصال بين باعث الرسالة الإعلامية ومتلقيها.
امتدادا لكل هذا يمكننا التساؤل: ما هي التحديات التكنولوجية التي ترفع وسترفع لا محالة في وجه الحق في الإعلام بصورة عامة، وفي حالة المغرب على وجه الخصوص؟
للإجابة على هذا التساؤل، هناك مجموعة معطيات كبرى من الضروري سياقها هنا، رفعا لكل لبس ودرءا لكل التباس:
- المعطى الأول ومفاده أن الحق في الإعلام معطى شاملا، إما أن يتكرس في شموليته أو لا يتكرس إطلاقا. بالتالي فلا معنى لتجزيئه، حتى وإن كانت الأجرأة القانونية تفرض ذلك.
معنى هذا أن حق المواطن في إعلام صادق وحقيقي وغير متحيز، هو كل لا يتجزأ، سواء تعلق الأمر بالصحافة المكتوبة أو بالسمعي-البصري أو بالمعلومات المقتنية للشبكات الألكترونية، وفي مقدمتها شبكة الإنترنيت.
وعلى هذا الأساس، فالحق في الإعلام هو حق موحد وشامل، ويجب أن يكون موحدا وشاملا، بصرف النظر عن الأجرأة القانونية والتحولات التكنولوجية الجارية.
- المعطى الثاني وينطلق من التساؤل: هل من المفروض تكريس الحق في الإعلام (أو المطالبة بتكريسه) في تعذر تكريس الحقوق الأساسية الأخرى... أقصد الحق في الشغل والحق في التطبيب والحق في التمدرس وما سواها؟
نعتقد، بصرف النظر عن الأولويات، أن الحق في الإعلام هو حق من حقوق الإنسان تماما كباقي الحقوق...بالتالي فهو ليس ترفا أو حقا ثانويا، بقدر ما هو حق مركزي، لأن الإعلام هو بامتياز عنصر تنمية اقتصادية واجتماعية...هو عنصر تحول حقيقي، ليس فقط لأنه باروميطرا لقياس مستوى التنمية (والحق في الإعلام مكرس أكثر في الدول المتقدمة) ولكن أيضا لأنه عنصر من عناصر البناء الديموقراطي والتحول السياسي.
وعلى هذا الأساس، فبقدر ما للمواطن الحق في الشغل والتطبيب والتمدرس وغيرها، بقدر ما له الحق في إعلام حر، يضمن له بلوغ المعلومات دونما رقابة أو تعتيم أو منع.
- المعطى الثالث ومضمونه أن كل مستجد تكنولوجي في ميدان الإعلام والاتصال لا بد وأن يصاحبه تأطير قانوني (في جانبه الحقوقي أساسا)، إما بغرض العمل على تملكه، أو بجهة الحيلولة دون بروز تجاوزات بداخله.
هذا صحيح مع انفجار القنوات الفضائية، وصحيح أيضا مع تزايد استعمالات شبكة الإنترنيت وغيرها.
معنى هذا أن الحق في الإعلام ليس مبدأ مشاعا، بل هو محكوم بالمستجد التكنولوجي الذي غالبا ما يحمل حقوقا إضافية، أو يتطاول على حقوق مكتسبة: حق الخصوصية، حق الحياة الخاصة، حماية الأطفال ضد العنف أو الأفلام والمواقع الإباحية...الخ.
- المعطى الرابع: ليس كافيا (وإن كان ضروريا) التأكيد على الحق في الإعلام، يجب أيضا تمكين المواطن من الاستفادة منه وممارسته.
معنى هذا أنه ليس كافيا الاعتراف بالحق في بلوغ الشبكات الإعلامية والاتصالاتية، ولكن يجب أيضا توفير الإمكانات وتحديد السبل لهذا البلوغ: هذا الأمر مطروح مع الشبكات التلفزية الرقمية، ومطروح أيضا مع شبكة الإنترنيت.
بالتالي فإذا لم تتوفر سبل البلوغ للشرائح الواسعة، فسيبقى الحق في الإعلام حبرا على ورق، وحكرا على الذين لهم إمكانات... وسنسقط بالمحصلة في من له الحق في الإعلام حقيقة، ومن له الحق فقط على الورق.
بالتالي، فإن ممارسة الحق في الإعلام تتطلب توفير بنية تكنولوجية، وسياسة أسعار سليمة، ودمقرطة الوصول إلى المعلومات المقتنية لهذه الشبكات.
- المعطى الخامس: نلاحظ أن العولمة وثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال كرستا "حقا في الإعلام"، في تجاوز وتحدي للدولة-الوطنية وللقوانين الوطنية وللسياسات الوطنية.
معنى هذا أن الاستعمال انتصر على القانون. ومعناه أيضا أن حصول المواطن على المعلومة وعلى الخبر، لم يعد حكرا على جهة (الدولة إلى حين عهد قريب)، بل أصبح شبه مضمون مع التحولات التي جاءت بها القنوات الفضائية والشبكات الألكترونية وغيرها.
هذا الأمر يطرح تساؤلين: ما السبيل إلى تضمين هذه التحولات في الترسانة القانونية، أي هل يجب تقنين ذلك أم تركه لنظام السوق؟ ثم كيف للدولة الوطنية ذات الحدود الجغرافية المعترف بها، أن تقنن تيارات إعلامية عابرة للقارات ولا وسيلة تقنية لضبطها أو التحكم فيها؟
- المعطى السادس: كيف لدولة لا تتحكم في إنتاج التكنولوجيا (سيما في ميدان الإعلام والاتصال) أن تقنن استعمالاتها، وفق منظومة من الحقوق مكتسبة أو مطالب بتكريسها؟
هذا أمر جوهري وتحدي حقيقي لمبدأ الحرية والحق في الإعلام. ما يعقد الأمور أكثر هو عندما توظف الدولة (الجاهلة بتبعات التكنولوجيا) مبدأ الحق في الإعلام والاتصال، وتمس حياة الأفراد والجماعات، كما هو الحال مع أجهزة الهاتف النقال التي توضع داخل المدارس أو بجوار المنازل أو بغيرها.
ثم هل تعتبر طفرة الهاتف النقال بالمغرب واتساع رقعة الإنترنيت دليلا على تكريس الحق في الإعلام والاتصال بالمغرب؟
- المعطى السابع ويكمن في التساؤل: أين يبدأ الحق في الإعلام وأين ينتهي؟
نعتقد أنه يبدأ بالاعتراف بهذا الحق، وتمكين الأفراد والجماعات من ممارسته، ونزعم أنه ينتهي عندما يطال حرية هؤلاء وذواتهم.
ثم أين يحدد الحق في الإعلام في سلسلة "المعلومة - المعرفة الأولية - المعرفة المتقدمة - الثقافة"؟ أين يوجد الحق في الإعلام في هذه السلسلة؟ ثم هل صحيح أنه عندما يصبح الحق مشاعا ينتهي كحق بالتالي وجب، حسب هذا الطرح، تخصيص الحقوق للذين هم أهل لها؟
إن التركيز، في نظرنا، لا يجب أن يتم فقط على المطالبة بتكريس الحق في الإعلام على ضوء الطفرة التكنولوجية المعاصرة، ولكن أيضا على المطالبة بضمان سبل الاستفادة منه وتصريفه في المجتمع والثقافة.
* "الحق في الإعلام في محك التكنولوجيا"، 3 فبراير 2014.