تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الديموقراطية الرقمية والفضاء العام الافتراضي

news-details

عبارة الفضاء العام عبارة قديمة نسبيا، تعود لعصر الأنوار، حين تحدث عنها إيمانويل وكانط، لتخضع، طيلة القرن العشرين، لمناقشات كبرى وتنظيرات واسعة، من لدن حانا أرندت، كما من لدن هابرماس، بارتباط وإشكالية الديموقراطية، ليتحدث عنها، فيما بعد، عالم الاجتماع الفرنسي دومينيك فولتون، لكن من زاوية تأثير وسائل الإعلام على ذات الفضاء.

إن الطرح الرائج، بامتداد لأطروحة الفضاء العام "التقليدية"، إنما تقديم الشبكات الرقمية، سيما جيل الإنترنيت الثاني، باعتبارها فضاء وليس وسيلة إعلامية، كما شأن باقي الوسائل التقليدية. إنه فضاء يشتغل بأدواته الخاصة وبآلياته، حيث يلتقي منطق المعلومة الصرف، مع المنطق الاجتماعي الواسع، أي يلتقي المنطق العمودي (من الكاتب للقارئ، دونما رجع للصدى)، مع منطق العلاقة التفاعلية بين الأفراد داخل الشبكة، على اعتبار انفتاحها، ويسر النفاذ إليها، وتقاسم مضامينها ومعطياتها، في زمن آني وسريع وواسع.

الشبكة هنا باتت كما لو أنها الفضاء العمومي الرقمي الجديد حقا، باعتباره تعبيرا عن تصاعد مد الديموقراطية الرقمية، وتجاوزا للفضاء المادي الذي أطر "السوق السياسي" طيلة الأزمنة السابقة على انفجار الشبكات. صحيح أننا بإزاء توسع هائل للمجال العمومي، لم تعرف البشرية مثيلا له، منذ اكتشاف المطبعة، لكنه بالآن ذاته مجال يتسع أفقه لباقي المجالات، سيما للفئات التي كانت عرضة للإقصاء أو للتهميش.

نحن بالتالي، بإزاء اجتماع افتراضي "حقيقي"، بالقياس إلى الاجتماع الواقعي الذي كنا نعيشه من ذي قبل، سيما مع الانتشار الهائل للمدونات، وكثافة الروابط، وإشاعة المعلومة بالويب على نطاق واسع.

إن ثنائية الفضاء الخاص والعام في طريقها للتجاوز، بعدما تماهت مستوياتها، وتم تمييع الحدود الفاصلة فيما بين مكوناتها، فبات الويب بعدا جديدا من أبعاد الفضاء العام كما الخاص، وأضحى الأفراد كما الجماعات كما المؤسسات، مطالبين بإعادة تموقعهم به، وهو ما يستوجب من الفاعلين تكوينا عاليا ومعرفيا عاليا، للإفادة من ذلك.

يبدو إذن، على الأقل قياسا إلى هذه "الفرضيات"، أنه إذا كانت الديموقراطية الليبيرالية أو الشعبية أو غيرها، هي واقع الحال القائم، فإن الديموقراطية الرقمية تقدم ولكأنها مآلها المستقبلي حتما، إذ استنفاذ مقدرات الأولى هو من تقوية الثانية، وتقوض الأولى تدريجيا هو في المحصلة، من تجدر الثانية، وهكذا.

والحاصل، حقيقة الأمر أيضا، أن المدافعين عن الديموقراطية الرقمية، المؤمنين بطرحها، لا تتراءى لهم، في المدى القصير والمتوسط على الأقل، كأداة دمقرطة للنظم السياسية (والاجتماعية والثقافية) القائمة، بل وأيضا (وإن في المدى المنظور) "المحطة النهائية" للإشكالية الديموقراطية برمتها.

ودفوعاتهم في ذلك إنما الاعتقاد بأن الديموقراطية الرقمية، حيث التباري افتراضي والمبارزة "متكافئة"، ستستنبت من جديد الديموقراطية "الحقيقية، المبنية على اتخاذ القرار الجماعي في فضاء أثيني، لا حاجة بداخله لانتداب ممثلين، أو تعيين مفوضين، أو التنازل على السيادة الشعبية لفائدة أفراد، كائنة ما تكن درجة نزاهتهم ومستوى التزامهم".

قد يسلم المرء بأن الشبكات الرقمية هي إلى حد ما  مكمن "ديموقراطية مباشرة"، تقترب من الوجهة النظرية على الأقل من النموذج الأثيني، إذ الشبكات تلك لا تعير كبير اعتبار لطبيعة "المنخرط" فيها، أو لجنسه أو لبشرته أو لدينه أو لانتمائه السياسي حتى، بقدر ما تتعامل معه باعتباره مواطنا له حقوق وواجبات ومطالب... وهو، فضلا عن ذلك، أداة إدارة الشأن العام ومكمنه في الآن ذاته.

قد يسلم المرء بذلك عموما، لكنه لا يستطيع أن يسلم به إلا في حالة القياس مع باقي الشبكات، سيما التلفزيونية منها، التي استقطبت لعقود بعيدة، الفاعلين السياسيين.

فإذا كانت شبكة الإنترنيت مثلا نموذجا لذات الاعتقاد، بحكم انفتاحها (ولو النسبي) وتوفيرها لمنابر للحوار والتواصل والنقاش، فإن التلفزة (وإن في جماهيريتها الواسعة) تبقى أحادية الخطاب، فوقية الرسالة، لا إمكانية لديها (في ظل واقعها الحالي) على تمكين التفاعلية، والتخاطب المتبادل بين السياسي "المتوفر على الحل"، والمواطن المطالب بالمساهمة في صياغته، وتكريسه، وتنفيذه، مادام هو هدفه نهاية المطاف.

بصرف النظر عن مصداقية هذا الطرح أو ذاك (ومثالية البعض الآخر)، فإن التعامل مع إشكالية الديموقراطية الرقمية يطرح مجموعة إشكاليات، لا نستطيع تثبيتها هنا كاملة، حتى وإن اختزلناها في الثلاث الآتية منها:

+ الأولى وتكمن في القول بأن الشبكات البانية لهذه الديموقراطية، هي "سيف ذو حدين" كما يقال. فبقدر ما هي أداة تواصل واتصال وتحاور (ورافعة حرية تعبير، يقول البعض)، فهي أيضا وبالآن ذاته، أداة مراقبة ورقابة وتجسس على مراسلات الأفراد وتراسلهم. إذ بقدر ما قد يجر تصريح لمواطن بالتلفزة المحاصرة والمتابعة، فقد تجر عليه رسالة بالبريد الألكتروني ويلات لا بداية لها ولا نهاية، كما هو الشأن بداية هذا القرن.

+ الثانية وتتمثل في الإعاقة الموضوعية التي من شأن هذه الشبكات أن تقيمها أمام الأفراد والجماعات (بالدول الديموقراطية، كما بدول العالم الثالث) والتي يغدو البلوغ (بلوغ الشبكات) أقواها وأهمها.

التلميح هنا لا يطاول إمكانات وسبل التجهيز لتكريس ذات البلوغ، ولكن أيضا وأساسا العوائق اللغوية والتكوينية والثقافية وغيرها، والتي من شأنها أن تحول دون ذلك، حتى بتوفر الأداة وإزاحة عوائق البلوغ...والقياس في ذلك أن "توفير" الديموقراطية الرقمية، لا يعني تلقائيا، القدرة على الاستفادة منها أو على تجذيرها.

+ أما الثالثة فتكمن، في حالة تحقق الديموقراطية الرقمية (كما يتطلع إلى ذلك المتبنون لذات الطرح) ويبرز في قابلية ذات الديموقراطية على الانتكاس الموضوعي، إذ فتح المجال (يقول هؤلاء) للجماهير لحسم أمر ما، بواسطة الشبكة قد يكون من شأنه تهديد الديموقراطية، سيما لو كان مبنيا على العواطف المتأججة والمتسرعة، لا على التفكير المتزن والخابر بحال الأمور ومآلها...وهكذا.

بالمقابل، وعلى الرغم من الطبيعة الليبرالية، التي تدعيها النظم الديموقراطية، فإنه لا تزال هناك ممانعة قوية من لدنها لتوسيع مجال الفضاء العام: حالة محاكمة نابسطير لمنع تحميل الموسيقى من خلال إم.ب.3، رفض السلطات تحرير  البلوغ للبرامج المعلوماتية التي صممت من الميزانيات العامة، تزايد نفوذ اللوبيات لمنع تقنين البرمجيات، محاكمات متعددة حول الملكية الفكرية...الخ.

من ناحية أخرى، فثمة مخاطر كبرى من بين ظهراني الشبكة، لا سيما عندما تتكون مجموعات عرقية أو طائفية أو غيرها، منغلفة، ولا تتواصل إلا فيما بين بعضها البعض، وهو ما يتناقض مع فلسفة الشبكة، التي تتغيأ إفراز رأي عام مرتبط، لا يأبه كثيرا بتمثلات السياسة السائدة، أو بالتعاقدات الجانبية، ناهيك عن الاصطفافات الإثنية أو العرقية أو اللغوية أو ما سواها.

* "الديموقراطية الرقمية والفضاء العام الافتراضي"، 4 نونبر 2013.

يمكنكم مشاركة هذا المقال