تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الحرية الافتراضية: حيادية الشبكة وحرية التعبير في عصر الإنترنت

 داون نونسياتو (ترجمة: أنور الشامي)، وزارة الثقافة والفنون والتراث، الدوحة، 2011، 230 ص.

ببداية هذا الكتاب، تقول المؤلفة: تثير "حرية التعبير على شبكة الإنترنت، العديد من الإشكاليات المتعلقة بالتنظيم القانوني، وآلياته، ومدى فعاليته في إطار وسيط بات يتمتع بالقدرة على الاتصال الآلي، وعلى تجاوز الحدود الجغرافية والسياسية والقانونية، لا سيما بعد أن أصبحت هذه الشبكة خاضعة لسيطرة حفنة من الكيانات الخاصة، خارج هيمنة الحكومات وأجهزتها".

وتلاحظ الكاتبة، من جهة أخرى، أن "حرية التعبير عبر الإنترنت، قد انتهى بها المطاف لتصبح خاضعة لحفنة من الكيانات- الشركات الخاصة ذات السطوة، تتحكم فيها. ونتيجة لذلك، أصبحت قنوات التعبير مملوكة لتلك الشّركات"، لا سيما بالسنين الأخيرة، حيث بات لحفنة صغيرة من القنوات ذات السطوة، هيمنة مطلقة على تعبير الأفراد، إلى الحد الذي جعل قدرة هذه القنوات الخاصة على رقابة التعبير، من خلال هذه الوسيلة، تصل إلى مستويات غير مسبوقة.

صحيح، تتابع الكاتبة، أن شبكة الإنترنت قد حقّقت – ولا تزال- أكبر سوق تشاركية للتّعبير الجماهيري، إلا أن مجموعة من القنوات ذات السطوة، قد صارت تتحكم في نهاية المطاف في حرية التّعبير، مثل مزودي إنترنت القطاع العريض، ومزودي العمود الفقري للإنترنت، ومزودي البريد الإلكتروني ومحركات البحث.

وجود هذه القنوات ذات السلطة الرهيبة، يطرح برأي المؤلفة، إشكالية حقيقية: "في أي ظروف، استخدم هؤلاء المزودون سلطتهم التّقديرية لتحديد أي من المحتويات يحجب، وأي منها يسمح بعبوره؟"، فتقف عند حالات محددة تبدو لها معبرة عن هذه الإشكالية. فقد حجبت شركة "أميركا أونلاين"، التي كانت من ذي قبل، المزود الأكبر لخدمة الإنترنت داخل الولايات المتحدة وفي العالم بأسره، رسائل بريدية أرسلها معارضون لبعض سياسات "أميركا أونلاين" الخاصة برسائل البريد الإلكتروني. كما قامت شركة كومكاست، والتي تعد واحدة من أكبر الشركات المزودة للنطاق العريض للإنترنت، سرا، بتقييد قدرة مشتركيها على استخدام تطبيقات مشاركة الملفات القانونية، ومنعت مشتركي بريدها الإلكتروني من تلقّي مراسلات من مجموعتي ضغط، تنتقدان الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن.

أما شركة غوغل، فقد فرضت الرقابة على جميع صور الجنود الأميركيين وهم يعذبون أسرى عراقيين. كما أنها تورطت في أعمال رقابية عديدة، أسوة بمزودي النطاق العريض. ومن بين القضايا "المثيرة للحساسية"، التي كثيرا ما تفرض شركة غوغل عليها قيودا، تذكر الكاتبة النقاشات التي تدور حول الإجهاض. "فعلى الرغم من أن غوغل تقبل ظاهريا بالروابط الدعائية الخاصة بالموضوعات ذات الصلة بالإجهاض، من وجهات نظر دينية معينة، ومساندة للحق في الإجهاض، فإنها ترفض قبول الروابط الدعائية التي تناقش موضوع الإجهاض من وجهة نظر دينية، أو تلك التي تحيل إلى المسألة من زاوية نظر دين ما".

وتضيف الكاتبة أن "مزودي خدمة الإنترنت - الذين يعملون مزودي خدمة بريد إلكتروني، أو مستضيفين لمواقع- يستطيعون حظر المحتوى في رسائل البريد الإلكتروني أو المواقع، من خلال استخدام أحد برامج المرشحات. كما يمكنهم استخدام برامج متشممي  الحزم، لحظر الوصول إلى أنواع من بروتوكولات الاتصال. ويتسنى لبرامج الغربلة هذه حظر المحتوى، من خلال طرق متعددة، مثل البرامج التي تستطيع أن تحجب كلمات أو عبارات معينة غير مرغوب فيها، مثل الكلمات ذات الصلة بالجنس، وتسمى ببرامج الغربلة".

كل هذا دفع الكاتبة لتتساءل: "هل مسألة إبقاء الإنترنت كفضاء رقمي عالمي، يمثل البيئة الجديدة لنشوء المجتمعات الإنسانية- الإلكترونية، وتطورها تحت سيطرة دولة واحدة، ترضي بقية دول العالم؟ أم أن هذا الأمر له علاقة مباشرة ببسط الهيمنة، والتحكم في مقدرات الشعوب المعلوماتية بأنواعها؟".

إن الجدل سيظل محتدما، ترى الكاتبة، بشأن حرية التعبير ومداها القانوني والأخلاقي، في إطار التداخل والتّشابك بين الأخلاقيات والتشريعات القانونية والدستورية من جهة، وبين جنوح الممارسة الإعلامية والانحراف التشريعي من جهة أخرى.

* "الحرية الافتراضية"، داون نونسياتو، نافذة "قرأت لكم"، 17 أبريل 2014.

يمكنكم مشاركة هذا المقال