تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

في تأثير وسائل الإعلام من زاوية استخدامها

news-details

المراد التحدث فيه هنا إنما الاستخدام الذي يقوم به المجتمع لوسائل الإعلام، بغض النظر عن الاستهلاك الصرف للمضامين والمحتويات. ومبرر ذلك هو الاعتقاد (اعتقادنا الخاص على الأقل) بأن التساؤل عن طرق توظيف المجتمع لوسائل الإعلام، يبدو أكثر أهمية من التساؤل عما تقوم به وسائل الإعلام بالمجتمع. أي أن المسألة المطروحة في هذا الباب، تكمن في التقييم الكمي والنوعي لأنماط استهلاك المضامين من لدن الجمهور، لا الاستهلاك في حد ذاته.

يقول إيسيان نوازو: "لو تأملنا عن قرب، حالة الإذاعة، وبكل دول العالم، فإن متابعتها هي متابعة فردية في غالب الأحيان. فبأماكن التجمع حيث تبث (معامل، مكاتب، أسواق ممتازة...الخ)، فنحن لا ننصت لها، بقدر ما نكتفي بالاستماع. ثم إن التوجه المضطرد للإذاعة باتجاه الإنترنيت، يعبر أيضا عن فردانية الإنصات، لأننا نلتقط الإذاعة على حاسوبنا الخاص.

باستثناء هذه الحالة، فقليلون هم المستمعون الذين يصرفون كثيرا من الوقت للاستماع للإذاعة، أو يجلسون أمام جهاز الإذاعة وينصتون بتركيز واهتمام، كما الحال مثلا عندما يكونوا بإزاء القراءة، أو متابعة حفل مسرحي أو سينمائي أو مهرجان فني. الإذاعة لا تهيمن علينا كما يبدو الأمر مع التلفزة. إذ حتى بالأماكن التي يكون جهاز الإذاعة مشغلا باستمرار، فإنها تتماهى مع وضعية ضجيج قائم، فيما يشبه وضعية حضور وغياب في الآن معا، من المتعذر معها قياس وتوصيف الأثر على المستمع".

بالإضافة إلى ذلك، فإن سهولة الانتقال من محطة إذاعية لمحطة أخرى، يعطي الانطباع بأن المستمع يعير أهمية متباينة لما يريد الاستماع إليه، وقد لا يلقى الرضا والتجاوب مع الذي يبحث عنه في هذه المحطة أو تلك، وهكذا.

هذا المعطى أساسي بنظرنا، لأنه لا يشي فقط بتراجع مد ومكانة الإذاعة، بل ويشي أيضا بعدم فاعليتها ونجاعتها في تكوين رأي الأفراد والرأي العام عموما. بمعنى أن الإذاعة حتى وإن كانت لا تزال وسيلة إعلام قرب بامتياز، بحكم سهولة النفاذ إليها، فإن ذلك لا يفسر أنه بمقدورها التأثير في آراء الناس، أو في تشكيل وإعادة تشكيل الرأي العام.

لسائل يتساءل: وما السر في نسب التجهيز المرتفعة للأفراد والعائلات بأجهزة الإذاعة، أليس هذا مؤشرا على مركزية هذه الوسيلة وأهميتها، ومن ثمة احتمالية قوة تأثيرها؟ هو تساؤل وجيه، إلا أنه غير كاف للتدليل على وجود علاقة تأثير بين الوسيلة ومستخدمها. بالتالي، "فليس معيار تملك مستجد تكنولوجي كاف لوحده لتحديد الاستخدام، أو تبرير التقنين، أو الارتكاز عليه للخلوص إلى وجود تأثير محتمل".

إن دراسة وسيلة ذات وضع خاص كالإذاعة مثلا، تستوجب بالقطع دراسات معمقة عن الاستخدامات التي يثوي المجتمع خلفها بإزاء هذه الوسيلة. والمعطيات الإحصائية تبين بجلاء أن الاستماع للإذاعة لا يتم وفق طرق اهتمام كبيرة، إذ إن حجم الاستماع هذا، والذي متوسطه ساعتان باليوم تزيد أو تقل من بلد لبلد، هذا الحجم يبين أن الاهتمام بما يبث "ثانوي"، على الأقل بالقياس إلى النشاطات الأخرى.

يلاحظ جاك دوران، الذي اشتغل على الحالة الفرنسية بخصوص الإذاعة، أنه "ضمن ال 125 دقيقة المخصصة للاستماع المتوسط اليومي للإذاعة، فإن 6.6 دقيقة هي التي تخصص للاستماع الصرف، 24 دقيقة للاستماع بموازاة القيام بعمل مهني، 21 دقيقة بموازاة العمل المنزلي، 16 دقيقة مع الأكل و 10 دقائق بالمرحاض".

وتؤكد الدراسات والإحصاءات بالدول المتقدمة تحديدا، أن العرض الإعلامي بهذه الدول قد أدى إلى حالة من الإشباع، لدرجة أن أي وسيلة إعلامية لا تستطيع استقطاب إلا جزء بسيط من السكان، باستثناء التلفزة التي لا تزال تكابر. وهي الوضعية التي لا يمكن ملاحظتها ببلدان الجنوب، حيث الندرة النسبية لوسائل الإعلام تدفع معظم السكان للاكتفاء بالإذاعة.

أما بخصوص وسائل الإعلام الجديدة، لا سيما الإنترنيت، فقد بشر العديد من الدارسين بأن من شأن هذه الوسيلة أن تطال الروابط الاجتماعية، وتحتجز الأفراد فيما يشبه "غيتوهات افتراضية"، لا يستطيع المرء الإفلات منها.

بالمقابل، فثمة العديد من الدراسات أيضا أكدت ولا تزال تؤكد، على حقيقة التأثير المحدود لهذه الوسيلة الإعلامية والاتصالية على الفرد وعلى المجتمع. وهو ما يحيل صوبا على مسألة المصداقية.

بهذه النقطة، نستطيع القول بأن وسائل الإعلام والقائمين عليها، قد حصلوا على اعتراف كبير من لدن المجتمع، وتمتعوا بمستوى من المصداقية والاحترام معتبرين. إلا أن ذلك قد عرف تموجات عميقة عبر الزمن.

فبفترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي مثلا بأوروبا وأمريكا، عرف قطاع الإعلام حالات من المصداقية متقدمة، على الرغم من تواضع مداخيل الصحفيين، وغياب الإطار المؤسساتي السليم لممارسة المهنة. وقد زاد من قوة هذه المصداقية سن قوانين في الإعلام والاتصال متقدمة، وخضوع المهنة لمواثيق في الشرف والأخلاق جعلتها "تكبر" بعين الجمهور، والمجتمع بوجه عام.

إلا أنه، وابتداء من الثمانينات، عرفت وسائل الإعلام بكل تلاوينها، تدهورا حقيقيا في إشعاعها، وتراجعا ملحوظا على مستوى مصداقية المهنة الصحفية.

فتزايد التحالفات داخل قطاع الإعلام، وازدياد منسوب الطابع المحافظ للمجموعات المهنية الفاعلة بالقطاع إياه، ثم التجاوزات المتكررة والمتعددة التي عرفها مجال إنتاج ونشر المعلومات، ناهيك عن عدم قدرة الفاعلين في المجال إياه على تحديد معايير مهنية ومعايير للانتماء الإعلامي، بالإضافة إلى مسلسلات إعادة الهيكلة التي عرفها ذات المجال...الخ، كلها عناصر أسهمت وبقوة، في تقويض وتراجع صورة الإعلام وفاعليه في رأي الجمهور.

هذه الوضعية، ومع تراجع مصداقية الإعلام والإعلاميين، كانت ولا تزال خلف العديد من الدراسات الهامة، لا سيما من لدن علماء اجتماع الإعلام والاتصال. وقد أثبتت، في الغالبية العظمى منا، أن الجمهور لا يثق كثيرا في المعلومات التي تقدمها وسائل الإعلام، ولا يعتبر العديد من ذات المعلومات حقيقية أو صادقة، بالصحافة المكتوبة كما بالإذاعة كما بالتلفزة. وهو ما نلحظه بمعظم دول العالم المتقدم، لا سيما في فرنسا وفي الولايات المتحدة الأمريكية، حيث لا يثق جزء كبير من المجتمع الأمريكي فيما يقدمه الإعلام والإعلاميون، ويبدون نفورهم منهم جراء التجاوزات التي تطفو على السطح بين الفينة والأخرى.

بالإضافة إلى ذلك، فإن العديد من الأشخاص الذين لا علاقة لهم بالإعلام، لكنهم يقومون بتنشيط برامج بالإذاعة وبالتلفزة، باتوا نتيجة ذلك مكمن شهرة وقبول فائقين. إنهم يدعون لا سيما بالدول المتقدمة، القدرة على إعطاء الكلمة لمن لا كلمة لهم، وجعل هذه الأخيرة مقبولة من لدن صاحب القرار.

قوة هؤلاء "المنشطين" لا تكمن في مكانة اعتبارية مسبقة لديهم، بل تكمن في قدرتهم على ضمان الالتفاف من حولهم، بحكم طبيعة القضايا التي يطرحونها وطبيعة الجمهور الذي يستهدفونه.

ولما كانوا كذلك، فإن ترويجهم لصورة سلبية ما عن شخص ما، وغالبا ما يكون شخصية عمومية، من شأنها أن تكرس لذات الصورة، لدى الجمهور المتلقي...لا بل وقد ترفعها أو تقعدها.

* "في تأثير وسائل الإعلام من زاوية استخدامها"، 9 دجنبر 2013.

يمكنكم مشاركة هذا المقال