رشيد مقتدر، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، يوليوز 2013، 33 ص.
بمقدمة هذه الدراسة، يقول الكاتب: "مكنت التجربة السياسية لحزب العدالة والتنمية المغربي، وهو يضطلع بدور المعارضة السياسية طوال 15 عاما، من تطوير رؤاه الإيديولوجية، وإنضاج تصوراته السياسية والاجتماعية. وهو ما تؤكده النظرة السريعة على مختلف البرامج الانتخابية للحزب، وأطروحاته الإيديولوجية، ومشاريعه السياسية في السنوات 1997 و 2002 و 2007 و 2011".
لقد نحى الحزب، يتابع الكاتب، منحى الواقعية السياسية، وذلك بسبب احتكاكه المباشر بمعترك الصراع الإيديولوجي والمنافسة الانتخابية، و"اعتماد رؤية سياسية إصلاحية، راهنت على العمل من داخل المؤسسات السياسية الرسمية، وترتب على ذلك وعيه لمنطق الحكم والدولة والسياسة"، من خلال سعيه لفهم السياسات العمومية المنتهجة من لدن الحكومات السابقة، وتقييمها وانتقادها من موقع المعارضة السياسية.
وقد أدرك الحزب أن قواعد اللعبة السياسية في المغرب تتميز بالدور المركزي للمؤسسة الملكية، وأدرك أيضا أهمية التوازنات السياسية التي تشتغل وفقها، من خلال اعتماد استراتيجيات متعددة، من قبيل الاندماج التدريجي أو التضييق والمحاصرة، أو التجاهل واللامبالاة، أو القمع والتنكيل...دونما أن يلجأ النظام للتدخل المباشر الذي قد يظهره بمظهر المتسلط.
وهو ما جعل النظام إياه، في إطار موجة "الربيع العربي"، يتجه إلى اعتماد خطوات استباقية، من خلال الإقدام على تعديل الدستور وغيرها.
وقد التقط الحزب الإشارة جيدا، فاعتمد خطابا سياسيا متضمنا لرسائل طمأنة، ساهمت بقوة في تخفيف الاحتقان الذي عمدت حركة 20 فبراير وجماعة العدل والإحسان إلى تأجيجه.
وقد ترتب عن صياغة دستور جديد، وتنظيم انتخابات سابقة لأوانها، فوز حزب العدالة والتنمية ب 107 من مقاعد البرلمان، تلاه وصول الحزب إلى قيادة العمل الحكومي.
ويعتبر الكاتب أن "الانتقال من دور المعارضة السياسية إلى السلطة وقيادة العمل الحكومي، تعد تجربة سياسية جديدة، انتقل خلالها حزب العدالة والتنمية إلى موقع الفاعل الذي يمتلك القرار السياسي، وهو ما يشكل محكا لقدرة الإسلاميين على تنزيل مشاريعهم ورؤاهم، وتطبيقها على أرض الواقع".
ويقر الكاتب بأن تقييم عمل حكومة العدالة والتنمية، ولم يمض عليها إلا عام ونصف، عمل لن يكون إلا بمثابة محاكمة الرؤى والنوايا، لكنه يحبذ التوقف عند بعض الإشكاليات المركزية لملامسة "منهج تعامل الحكومة معها، بغية الخروج ببعض النتائج الأولية لمعالم هذه التجربة الحكومية، ومساراتها في مجال السياسات العمومية".
ويلاحظ الكاتب من هنا أن البرنامج الحكومي كان يراهن منذ البدء على "الانتقال إلى مرحة جديدة من البناء الديموقراطي، عبر التقدم في تنزيل مقتضيات الدستور، وتعزيز الثقة في غد أفضل للأمة المغربية، وتوفير شروط التنافس والعمل الجماعي من أجل نهضة الوطن وقوته وسيادته ووحدته، والاجتهاد في إرساء مغرب الكرامة والحرية والتنمية والعدالة الاجتماعية لكافة مواطناته ومواطنيه". وهذا ما جعل البرنامج الحكومي يعتبر هذه الولاية التشريعية استثنائية بامتياز، لما يتطلب الدستور من ضرورة تنزيل مقتضياته، في سياق مسلسل "إصلاح عميق للدولة، وتجديد لوظائفها، وتطوير بنيتها، وتأهيل أدوارها، وإرساء قواعد التلاؤم والتكامل والتعاون بين مؤسساتها".
وقد ترتب عن هذه الرهانات مخططا تشريعيا بمثابة "أداة لتأطير عمل الحكومة على الصعيد التشريعي، وخارطة طريق مساعدة لمختلف السلطات الحكومية في تنفيذ برنامج عمل الحكومة".
وينقسم المخطط التشريعي، وفق الكاتب، إلى مستويين: المستوى الأول ذو طبيعة استراتيجية، ويتعلق بالقوانين التي تسعى إلى تنزيل الدستور. أما الثاني، فيتضمن مشاريع القوانين العادية، التي تسعى الحكومة لتطبيقها، "إما بحكم الفراغ القانوني في إحداث قطاع أو مؤسسة جديدة، وإما لتغيير الأوضاع والظروف التي تستلزم تغيير الإطار القانوني حتى يواكب التحولات".
ويلاحظ الكاتب أن المحك، بكل الحالات، إنما مساءلة الحكومة بزاوية: هل استطاعت حقا تكريس مؤسسة رئاسة الحكومة كفاعل، مضطلع بدوره في انسجام تام مع المؤسسة الملكية، في ظل هذه المرحلة الانتقالية؟
يزعم الكاتب هنا، أن ذلك لن يتم للحكومة الحالية إلا ذا استطاعت تطوير طريقة ناجعة في التعامل مع وسائل الإعلام، ثم فتح ملفات الفساد بالعديد من المؤسسات العمومية، ثم اضطلاع الحكومة بالأدوار التي تمكنها من تكريس سلطتها، وتمكنها من رسم مجالها الخاص باستقلالية ولو نسبية، عن مجال تحرك المؤسسة الملكية، تجاوزها للتدبير اليومي، والاشتغال بأفق استراتيجي في تدبير السياسات العمومية.
بهذه النقط، يلاحظ الكاتب أن القوى المعارضة تؤاخذ على الحكومة الحالية بطأها في طريقة تنزيل الدستور، وعدم التزام الحكومة لحد الساعة، بوعودها في محاربة الفساد والفقر والتهميش، لا بل ولربما، يزعم الكاتب، تراجعها عن العديد من الوعود التي أوصلتها للسلطة.
* "تأملات في التجربة السياسية لحزب العدالة والتنمية المغربي"، رشيد مقتدر، نافذة "قرأت لكم"، 26 دجنبر 2013.