تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

دور مراكز الأبحاث في الوطن العربي

خالد وليد محمود، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، يناير 2013، 46 ص.

ازداد اهتمام الدول العربية بمراكز الأبحاث والدراسات منذ بداية تسعينات القرن الماضي، واتسع دورها كميا، وعلى مستوى نوعية المساهمات التي تقدمها. وقد صاحب هذه الظاهرة تزايد المؤتمرات العلمية والأكاديمية والمنشورات العلمية. وهي "تبحث في مختلف شؤون الحياة المحلية والإقليمية والدولية، في ظل التغيرات الرئيسية الجارية في منطقة الشرق الأوسط، والعالم بشكل عام".

إلا أن الدور الذي تقوم به هذه المراكز بالدول الغربية، يختلف عن الدور الذي تقوم به بالدول العربية، وذلك "بسبب المعيقات والمصاعب والتحديات التي تواجهها، ولأنها لم تتبوأ مكانها الحقيقي، ولم تمارس دورها الحيوي في المشاركة في صنع القرار، أو في تقديم ما يلزم من مشورة ومن دراسات رصينة، فبدا دور معظمها باهتا وغير فاعل في عملية التنمية المجتمعية بكافة أبعادها"، لا سيما وأن هذه المراكز تكتسب أهميتها وضرورة وجودها من الحاجة لها، ومن مقتضيات الضرورات السياسية والاقتصادية والإعلامية والأكاديمية والاجتماعية والتنموية.

ويستفاد من الدراسات المتوفرة حول هذه المراكز أن دور هذه الأخيرة إنما يتمثل في كونها تكون جسورا بين المجتمع والدولة والعلم، وتخدم المصالح العامة والفرد وصانع القرار.

وقد كان للولايات المتحدة الأمريكية السبق في هذا المضمار، إذ تتميز المراكز عندها في كونها تتوجه مباشرة إلى أصحاب القرار السياسي والعسكري والاقتصادي، وفي أن أصحاب القرار يتجهون عادة إلى مثل هذه المراكز من أجل بناء تصورات أو بلورة قرارات، أو تكوين رؤى عن أي أمر تحتاجه الإدارات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية وما سواها.

وهذه الخاصيات تعتبر مؤشرا أساسيا لدرجة نضج مؤسسات الحكم والإدارة في المجتمع، وعلى تطور الجماعة العلمية والبحثية.

ويلاحظ الكاتب أن تاريخ نشأة مراكز البحوث والدراسات في الوطن العربي تعود للعقود الثلاثة الأخيرة، حيث توزعت بين الجامعات والمؤسسات الحكومية، إلى جانب بعض المراكز البحثية المستقلة، ضمن مجال المجتمع المدني.

إلا أن عددها ضئيل، ووضعها هش، و تفاعلها مع البيئة المحيطة بها متواضع. ويبدو، برأي الكاتب، "أن تخلف الدول العربية في مجال البحث العلمي قد انعكس بصورة أو بأخرى على هذه المراكز". يضاف إلى ذلك العديد من المعوقات التي تطالها، ومنها ما يتعلق بالبيئة الخارجية المحيطة بعمل هذه المراكز، أو "بالقيود المفروضة على حريات عملها، تلك التي تتفاوت من بلد إلى آخر، لا سيما فيما يخص حريات تسجيل مراكز الدراسات، وهامش الحرية الممنوحة لتلك المراكز في آليات العمل، ومشكلة الاستدامة بالخصوص، إلى جانب مشكل العشوائية في العمل وضعف آليات التعاون".

صحيح أن ثمة "فورة" في عدد هذه المراكز بالوطن العربي، إلا أنها ليست متقدمة قياسا إلى أقرانها بالغرب. فهي لا تزال رهينة وخاضعة لمجموعة من الاعتبارات، منها:

+ موافقة متطلبات الممول في كيفية طرح الموضوع، وفي ترتيب أولوياته، وفي كيفية التعاطي معه.

+ الترويج لإيديولوجية ما أو لسياسة ما.

+ عدم خضوعها لتخطيط مستند إلى رؤية استراتيجية تتعلق بالاحتياجات المجتمعية.

ويعتقد الكاتب أن ثمة فجوة تزداد في الاتساع بين "صناع القرار من جهة، والمفكرين والباحثين في هذه المراكز من جهة أخرى، حتى يخيل للمراقبين أحيانا أن الأجهزة الأمنية هي وحدها المعنية بما ينشر من الأبحاث والدراسات في تلك المراكز".

وقد أدى هذا إلى اكتفاء هذه المراكز بتقديم "توصيات" ومعالجات آنية محدودة، "لا ترتقي إلى مستوى التفكير الاستراتيجي، مما أوجد نوعا من الهدر المعرفي وضياعا في الجهد العلمي".

ويشتكي أصحاب هذه المراكز من كون الأجهزة الحكومية لا تمنحهم المعطيات الدقيقة للخروج بتوصيات واضحة، ويشتكون أيضا من كون توصياتهم، في حالة دقتها، لا تؤخذ بالاعتبار عند اتخاذ القرار، وأن "العديد من المسؤولين يعتقدون أنهم يعرفون كل شيء، وأنه ليس لدى مراكز الأبحاث ما تقدمه لهم أو تضيفه إليهم".

لذلك، نرى هذه المراكز تكتفي، برأي الكاتب، بنشر الكتب والمجلات والدوريات لترويج ما تنتجه، أو تنظم ندوات وورشات ومؤتمرات في مجالات متعددة، تقوم باستطلاعات رأي لقياس قضية تهم مشكلة ما. أما الأخرى التي تجد لها آذانا صاغية، فهي التي تصيغ توصيات حول قضايا محددة، غالبا ما يكون صاحب القرار بحاجة إليها لاتخاذ قرار أو شرعنة اختيار...يكون ممليا من الخارج في الغالب الأعم.

* "دور مراكز الأبحاث في الوطن العربي"، خالد وليد محمود، نافذة "قرأت لكم"، 28 نونبر 2013.

يمكنكم مشاركة هذا المقال