تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مقاربات إعلامية

news-details

الإعلام في اللغة مصدره علم، ويحمل معنيين اثنين: الإعلام بمعنى الإشعار أو الإخبار، وتكون الرسالة في هذه الحالة، هي العنصر الأساس في تحديد المعنى. ثم الإعلام بمعنى النشر، بواسطة وسيلة من وسائل الإذاعة أو التلفزة أو الجريدة أو الموقع الألكتروني. الزاوية المعتمدة في هذا التحديد تركز على الأداة وعلى الحامل، على اعتبار أن المعلومة المقتنية لذوات الأداة أو الحامل، هي براء ضمنيا من الوظيفة والدور الموكلين إليها.

من هنا، فإن كل التعريفات الرائجة بهذا الباب، غالبا ما تركب ناصية زاوية من هاتين الزاويتين. فنرى الواحدة منهما تقدم المحمول، أي المعطى والمعلومة والمعرفة على حاملها، ونرى الأخرى تفضل التركيز على الحامل بصرف النظر عن المادة المحمولة، كلمة مكتوبة كانت، أم مسموعة، أم مرئية، أم مقتنية لإحدى الوسائل الألكترونية المتاحة.

ونرى، إلى جانب هاتين الزاويتين، زاوية أخرى لا تعير ذات التقسيم أهمية كبرى، على اعتبار من لدنها بأن ثمة تماهيا قويا بين الرسالة وحاملها، بين المعلومة والبنية المادية التي تضمن لها السريان والرواج والشيوع.

يقول جاكوب وباريا بخصوص هذه النقطة: إن "تدبير المعرفة لا يقتصر فقط على جمع المعلومات، كما تجمع الكتب برفوف الخزانات. إن هذا التدبير يكمن أساسا في إقامة بنية تحتية، بشرية ومادية، تمكن هذه المعلومات من الرواج من بين ظهراني منظمة ما"، أيا ما يكن بنيانها، هرميا أم عموديا أم أفقيا، أم ما سواها.

وهناك من يتجاوز أيضا على ثنائية الحامل والمحمول، فيقدم تحديدا للإعلام بالاحتكام إلى معيار الجمهور المستهدف، وطبيعة الرسالة المقدمة. الإعلام، وفق هذا التصور، يتمثل هنا في كونه "التعبير الموضوعي عن عقلية الجماهير وروحها وميولها واتجاهاتها في نفس الوقت. والمقصود بموضوعية الإعلام في هذا التعريف، أنه ليس تعبيرا ذاتيا عن رجل الإعلام. فدور هذا الأخير في مجال الإعلام، يختلف عن دور الأديب أو الفنان، إذ يعتمد التعبير الموضوعي عن الحقائق والأرقام والإحصاءات، وينبغي أن تكون الحقائق التي يبنى عليها الإعلام السليم، معبرة تعبيرا صادقا عن عقلية الجماهير وميولاتها واتجاهاتها".

بإمكان المرء أن يستنبط من هذا التعريف، عنصرين أساسيين اثنين:

+ الأول أن الإعلام لا يجوز أن يخضع للتوجيه والتأطير من لدن هذه الجهة أو تلك، بقدر ما يجب أن يكون مرآة عاكسة لواقع الحال، في حركيته وتموجاته، كما في سكونه وتصلبه وتمنعه.

+ الثاني أن الإعلام يجب أن يكون "الضمير الحي" للمجتمع، يرصد جوانب مكوناته النفسية والسلوكية، ويعبر عنها بموضوعية في نقل الخبر، لكن دون أن يحرم رجل الإعلام من حقه في التعبير والتفكير والرأي. الإحالة هنا تتجه صوب أطروحة المسؤولية الاجتماعية للإعلام، والتي مفادها أن الوسيلة الإعلامية مسؤولة عمليا عما تقدمه من معطيات وبيانات وأخبار ومعلومات، ومسؤولة أخلاقيا عما يصدر عنها من وجهات نظر ورؤى وأفكار، قد لا تتقاطع دائما مع رغبات أو رؤى أو أفكار هذه الجهة المحددة أو تلك.

تقول فوزية فهيم: إن الإعلام الناجح "يعد شاهدا على العصر الذي ولد فيه. وهو مرآة تعكس ما يدور في المجتمعات، بما ينقله من رسائل واقعية وأخرى خيالية، يجب أن تقدم للجماهير فلسفة حياة زاخرة بالقيم والمبادئ والمعايير والاتجاهات، لما ينقله من سلوكيات ومهارات إيجابية، والابتعاد عن كل ما هو مبتذل".

بالتالي، وبالبناء على ما سبق، يبدو أن المنظور الذي يعتمد هو الذي غالبا ما يحيل على هذه الوظيفة أو تلك للإعلام، باعتباره أداة ورسالة في آن معا:

+ فالوظيفة الإخبارية تعتبر الخبر أو المعلومة، بكل أشكالها وأنواعها وخاصياتها، تعتبرها رافد العملية الإعلامية وعمادها المادي الرافع. فبها تبنى هذه العملية، وتقام المؤسسات من وكالات أنباء ومحطات إذاعية وتلفزية، ومواقع الإنترنيت بكل تلاوينها وأشكالها، لا سيما ذات الطابع الإخباري الصرف.

+ أما الوظيفة التنموية، فهي التي تتعامل مع الخبر والمعلومة ليس فقط ك"مادة أولية" تنصهر ضمن باقي المواد في صلب العملية الإنتاجية، بل كعنصر جوهري من عناصر اتخاذ القرار.

إن الكتابات والبحوث والدراسات المتمحورة حول الوظيفة التنموية للإعلام، وحول العلاقة بين الإعلام والتنمية بوجه عام، كثيرة ومتنوعة، لكنها تصب مجتمعة في مسلمة الجدلية الإيجابية للإعلام، أجهزة ومضامين، تصب في العملية التنموية في بعدها الوطني الشامل، كما في بعديها المحلي والجهوي على حد سواء.

فتوفير البيانات والمعطيات والإحصاءات والمعلومات لفائدة المؤسسات الإنتاجية، كما لأصحاب القرار والباحثين، من شأنه ليس فقط ترشيد الموارد وضمان توزيعها بطرق عقلانية، بل من شأنه أيضا ضمان التناسقية في النسيج الاقتصادي، وفك العزلة عن المناطق والجهات، التي قد يحول وضعها الجغرافي أو الترابي دونها ودون الحصول على نصيبها من الثروة المنتجة أو المفروض إنتاجها.

+ أما الوظيفة التربوية والتعليمية، فتتمثل في عملية الرفد التي تقوم بها وسائل الإعلام والاتصال المختلفة، من خلال البرامج المقدمة في هذا الصدد، أو عبر ترويج المواد التربوية (على شاكلة التلفزيونات التربوية مثلا) أو المساهمة في تبيان مكامن القوة أو نقط القصور التي قد تكون المنظومة التربوية مكمنها بهذا الشكل أو ذاك.

إن الوظيفة التربوية والتعليمية هنا هي وظيفة عمودية بامتياز، على اعتبار تكفل الإعلام بجزء من العملية. وهي بالآن معا وظيفة أفقية، تتغيأ الإسهام في نشر الوعي وتمكين المتلقي من المعرفة، ناهيك عن الإسهام التنويري الذي تثوي خلفه جملة أو بالتفصيل.

+ أما الوظيفة السياسية لوسائل الإعلام فتكمن في ضرورة نزوعها ليس فقط إلى عكس التموجات القائمة بين أطراف اللعبة السياسية بأرض الواقع، بل أيضا في توجيه النقاش بشأنها على مستوى الكلمة والصوت والصورة.

إن الدور الذي يؤديه الإعلام في هذا المجال، إنما يجب أن يتميز "بإتاحة ما يمكن من المعلومات والأفكار، وتدعيم الحوار بين أفراد المجتمع حول قضاياه. ومن خلال هذا الدور، يتحقق للأفراد الشعور الإيجابي بالمشاركة في الحياة العامة، ودفع الجميع للتفكير في الحلول السليمة لمشاكلهم العامة".

+ وهناك الوظيفة الترفيهية التي لا يمكن لوسائل الإعلام والاتصال المختلفة تجاهلها أو التجاوز عليها. إن مواد التسلية والترفيه "شهدت تطورا هائلا من خلال تطور وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، خاصة بعد ثورة الاتصالات. فلم تعد الكتابة الساخرة أو الكاريكاتير، هي المصدر الوحيد للتسلية، كما كان الأمر من ذي قبل. لقد وجدت الوظيفة الترفيهية مكانها داخل كافة وسائل الإعلام، من أجل وجود تنوع بين المواد المختلفة، وذلك حتى لا يصاب المتعامل مع وسائل الإعلام بالملل".

هذه اللائحة من الوظائف ليست كاملة ولا ضافية، إذ ثمة وظائف اقتصادية وتجارية وإشهارية، ليست لها نفس الأهمية، لكنها تشي مجتمعة بالسلطة المتزايدة لوسائل الإعلام والاتصال، ليس فقط من زاوية النظر الجزئية، بل وتحديدا من الناحية الشمولية، ناحية سلطة الإعلام من بين ظهراني المجتمع.

والواقع أن تاريخ الإعلام، وسائل ومضامين، يبين بجلاء أن العلاقة بينه وبين المجتمع ما فتئت تتحول بالزمن والمكان، ووفق كل وسيلة على حدة، إذ "إن تطورات المجتمع (فردانية، تزايد النعرة الاستهلاكية، انفجار الروابط الاجتماعية، عولمة...الخ) والتحولات التي عرفتها الديموقراطية (دور الدولة، تراجع مكانة السياسة والسياسيين، أزمة التمثيلية، تراجع مصداقية الأحزاب...الخ) لم تكن دون التأثير على مكان ووظيفة ودور وسائل الإعلام" في العالم.

بالتالي، فإن تحليل الإعلام ودوره غالبا ما يتم بالارتكان فقط إلى آلياته الداخلية، بصرف النظر عن المحيط العام الذي يعتمل فيه الإعلام إياه. وهذا التحليل غالبا ما ينطلق من مسلمة أن للإعلام سلطة قائمة، المفروض فقط، وفق هذا التصور، البحث في طبيعتها وآثارها.

بالمقابل، فإن المدخل السليم لمقاربة تاريخ الإعلام، يجب أن يبدأ بالأساس من اعتبار أن هذا التاريخ ليس خطيا، ولا هو بالمستقل عن المجتمع الذي يفعل فيه ويتفاعل معه.  بمعنى أن "مكانة ودور وسائل الإعلام في المجتمعات المتقدمة قد عرفت تطورات جوهرية، حسب التقنيات، وأيضا حسب السياق".

ويبدو أن مقاربة تأثير هذه الوسائل إنما يجب أن تنطلق من هذا المدخل، لملامسة الدور الذي تثوي خلفه الوسائل إياها، أو تمثله أو تدفع به. وهذا المدخل يحيل على العلاقة بين الإعلام والمجتمع كدينامية تاريخية، وليس فقط كتراكم للتقنيات الإعلامية، سرعان ما يتجاوز لاحقها سابقها.

* "مقاربات إعلامية"، 18 نونبر 2013.

يمكنكم مشاركة هذا المقال