تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

سياقات العولمة

news-details

ثمة ثلاث قضايا أساس نادرا ما يتم استحضارها لوضع سياقات العولمة:

+ الأولى، ومؤداها أنه على الرغم من غزارة الكتابات والأبحاث حول ظاهرة العولمة، فإن العديد منها لا يسائل طبيعة الظاهرة أو آليات اشتغالها، بقدر ما يقف بالدرس والتحليل، عند تبعاتها وتداعياتها ونتائجها على الدول والمجموعات، على الأفراد والجماعات.

وإذا بدا للمرء أن ثمة بعض من الإجماع حول الظاهرة (على الأقل بحكم الاستخدام المتماثل لها)، فإن ذلك لا يشمل الظاهرة في تركيبتها المفاهيمية الخالصة، أو في تكوينها الإبستمولوجي، بقدر ما يشمل تمظهراتها الخارجية الصرفة، وتبعاتها الآنية على الأفراد والجماعات، لدرجة أسقط الظاهرة موضوع البحث في ضرب من الميوعة والتمييع.

وبصرف النظر عن الجدل الواسع في تحديد نقطة انطلاقها (بغرض تحديد مدى حداثتها من قدمه مثلا)، فإن الثابت لنا بالملاحظة والدراسة أن الظاهرة إنما هي ظاهرة اقتصادية بامتياز، ليس فقط في طبيعتها وطبيعة الفاعلين فيها (أو "المبشرين" بها)، بل وأيضا في آلياتها وأدوات اشتغالها، و" منظومة القيم الجديدة" الدافعة بها على مستوى الاقتصاد أولا، ثم على مستويات السياسة والثقافة والفكر وما سواها.

معنى هذا أنه ما دام مستوى الاقتصاد هو الأصل وهو المنطلق، فإن ما سواه من مستويات (سياسية أو ثقافية أو علمية أو تكنولوجية أو فكرية أو على مستوى تمثلات الأفراد والجماعات) إنما هي روافد لذات المستوى، يراد لها أن تساير فلسفته، أن تتكيف ومعطياته، أن تتأقلم وتقلباته، أن تنصهر في صلبه، وألا تبدي أي تمنع أو ممانعة لسياساته في الزمن أو المكان.

هذه قضية جوهرية غالبا ما لا يتم الانتباه إليها وتحديدها، قبل الغوص في تجليات الظاهرة أو ملامسة تركيبتها.

+ الملاحظة الثانية، ومفادها أن العولمة الاقتصادية قد أسهمت وإلى حد بعيد، في خلخلة العديد من المفاهيم والبنى النظرية، التي كانت إلى حين عهد قريب، في مأمن عن كل تشكيك أو مزايدة كبرى. فالدولة الوطنية (أو الدولة/الأمة) مثلا، لم تعد لها نفس الحمولة المفاهيمية، التي لازمتها منذ القرن التاسع عشر، وذلك إما جراء تقويض الحدود الجغرافية، أو انفتاح الفضاءات الاقتصادية واندماجها، أو تزايد التبادلات التجارية عبر الشبكات الألكترونية... وهكذا.

ومفهوم رأس المال ذاته طاوله التحول، وبات عبارة عن بتات ألكترونية تقتني الشبكات، وتتجول بمعظم جهات العالم دونما قدرة للسياسات الاقتصادية الوطنية أو للجمارك، على مراقبة حلها وترحالها، أو متابعة تياراتها، أو ضبط مستوياتها ضبطا دقيقا.

نفس الشيء مع مفهوم العمل الذي أضحى شبكيا، ويتم بين الشركة وموظفيها عن بعد. وأيضا مع التنظيم الذي بات أفقيا، بعدما كان منظوما لعقود طويلة، وفق التراتبية العمودية الجامدة والمتصلبة. وأيضا مع الإنتاج الذي خضع لعمليات التصغير اللامتناهية، وفق طبيعة ورغبات الطلب والاستهلاك وقس على ذلك.

هذه نقطة جوهرية أيضا، غالبا ما يتم التعامل معها من منطلق الإسقاط الصرف.

+ الملاحظة الثالثة، ومؤداها أنه مع تقدم العولمة، وانتشار مدها ومداها بين الدول والشعوب والاقتصادات، وهيمنتها على ما سواها من ظواهر موضوعية سابقة لها، فإن ذلك يشي  بأن النظرية الرأسمالية ومن خلفها النظرية الليبيرالية، إنما باتت المصب النهائي لكل نظم التراكم والإنتاج، وغدت الخيار الوحيد والأوحد لبلوغ آفاق النمو، وإدراك مستويات الرفاه الاجتماعي.

ولما كانت العولمة إفرازا "طبيعيا" لمنظومة الليبيرالية ورأس المال، فقد حملت اقتصاد السوق إلى مراحل التقديس، ودفعت بكل المستويات الأخرى (سيما الثقافية والسياسية) لتخضع لمنطقها ومنطوقها بالزمن والمكان.

بالتالي، فثلاثية "اقتصاد السوق وثقافة السوق وديموقراطية السوق" إنما باتت مجتمعة، مندمجة في طبيعة التمثل الذي تدفع به العولمة، وتتطلع لنشره، وتعميمه على المستوى الكوني.

وعلى هذا الأساس، فإن العولمة لا تتطلع فقط إلى تعميم طقوس اقتصاد السوق، لدرجة دفعه إلى المماهاة مع مجتمع السوق، ولا إلى نشر قيم الليبيرالية الخالصة (من قبيل الحكامة) لتغدو قيم الكون برمته فحسب، بل وتعمد إلى رهن مواطنة الفرد بالقدرة على الاستهلاك، وامتلاك القابلية على التملك، في مناخ تعمم فيه شعار "البقاء للأقوى".

لا تخرج الديموقراطية عن هذا السياق، بل تقدم بدورها باعتبارها مجرد نتاج سوق سياسي، تتبارى فيه الأدوات بين عرض وطلب، وتقدم في صلبه الإجراءات والتقنيات على الأخلاق والثقافة وما سواها.

هذا المستوى مهم أيضا، لأن الكتابات لا تستحضره إلا فيما ندر، وإن استحضرته بعضها، فمن باب تأثيث الشكل لا ضبط المضمون.

الرباط، 17 يونيو 2013

يمكنكم مشاركة هذا المقال