تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

سياسة الغموض النووي الإسرائيلية

محمود محارب، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، ماي 2013، 29 ص.

بمقدمة الدراسة، يقول الكاتب بأن إسرائيل، منذ إنشائها وإلى تاريخ بناء المفاعل النووي في ديمونه في العام 1967، أحاطت المشروع بسد منيع من السرية التامة والغموض المحكم.

هذه السرية، يتابع الكاتب، "مغروسة عميقا، ليس في صفوف متخذي قرارات الأمن القومي فحسب، وإنما في قيم المجتمع الإسرائيلي أيضا، وفي ثقافته تجاه كل ما يتعلق بالأمن القومي. كما أن هذه السرية محصنة بعقوبات قانونية ضد كل من يخالفها...".

وقد بلغت شدة الحرص على الالتزام المفرط بالسرية من ناحية والغموض من ناحية أخرى، إلى درجة أن "بن غوريون والمجموعة القليلة القائمة على المشروع النووي الإسرائيلي، عملوا على عدم كتابة أهداف المشروع على أوراق، وعدم تدوين مبرراته وسياسة إسرائيل النووية في وثائق".

وقد أكد شيمون بيريز، مهندس المشروع، أن بن غوريون لم يشأ أن يطرح أو يشرح رؤيته النووية، "لأن ذلك يعني ذكر أهداف محددة في وقت مبكر جدا وبسرعة تفوق ما ينبغي".

وقد مكنت هذه السرية المحكمة إسرائيل من "الشروع في بناء المفاعل النووي في ديمونه في عام 1958، وفي المضي قدما فيه ما يربو على ثلاثة أعوام، من دون إثارة معارضة داخلية أو خارجية، ومن دون أن يعلم العالم شيئا عن هذا المشروع".

وقد وضح بن غوريون في بدايات بناء المشروع، أوضح للرئيس الأمريكي كنيدي أن المشروع ذو طابع علمي وبحثي/صناعي، من شأنه أن يساعد إسرائيل على تحلية مياه البحر. كما شدد على أنه ليس ثمة قصد لتطوير قدرة لإنتاج الأسلحة في الوقت الحالي...وكانت هذه "إشارة واضحة من بن غوريون إلى أنه لا يلتزم ألا تسعى إسرائيل في المستقبل، إلى تغيير هدف المفاعل النووي في ديمونه إلى حاجات أمنية".

إلا أن كنيدي كان حاسما بجهة الشفافية وعدم تطوير إسرائيل للقدرة النووية العسكرية في المستقبل. لذلك كثفت الإدارة الأمريكية من ضغوطها على إسرائيل من أجل "تحقيق هدفين أساسيين: الأول، انتزاع التزام إسرائيلي بأن مشروع ديمونه النووي معد لأغراض سلمية فحسب، والثاني، فتح المجمع بكل منشآته المختلفة أمام الرقابة الأمريكية الفاعلة".

لقد أكد بن غوريون، ومن بعده أشكول، للإدارة الأمريكية بأن المشروع سلمي، لكنهما رفضا رفضا قاطعا استقبال علماء أمريكيين لزيارة الموقع، والتأكد مما يجري حقيقة بداخله.

وقد جاء مقتل الرئيس كنيدي بمثابة "المعجزة" التي بفضلها تنفس الإسرائيليون الصعداء، و"تخلصوا" من رئيس كان ضغطه على إسرائيل شديدا، بجهة تجميد المشروع أو إلغائه نهائيا.

ومما زاد النخبة الإسرائيلية ارتياحا "أن نائب كنيدي، لندون جونسون، الذي حل مكانه في رئاسة الولايات المتحدة، كان معروفا بتأييده الشديد لإسرائيل، وبتعاطفه معها، وبارتباطه القوي باللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة".

وقد ترتب عن الود بين الإدارة الأمريكية الجديدة وإسرائيل، أن وقع الطرفان مذكرة تفاهم التزمت إسرائيل بموجبها "بأنها لن تكون الدولة البادئة بإدخال سلاح نووي إلى المنطقة".

وقد مكنت المعاهدة إسرائيل من ربح الوقت، إلا أنه وإن مكنت العلماء الأمريكيين من زيارة الموقع، فإن ذلك كان شكليا، أي أنها لم تسمح لهم بزيارة جميع مواقع المجمع.

وقد صرح أشكول لمقربيه منذ العام 1965 بأن لإسرائيل ثلاثة خيارات في شأن وضعها النووي: "الأول، قنبلة نووية في المخزن جاهزة للاستعمال، الثاني أن تكون مكونات القنبلة النووية معدة وجاهزة للتركيب، الثالث، الاستمرار في تطوير المشروع النووي في مجال البحث، تمهيدا لأي قرار مستقبلي".

في عشية حرب يونيو 1967، يقول الكاتب، "ركبت إسرائيل قنبلتين نوويتين بدائيتين، لاستعمالهما كملاذ أخير، في حال تعرضت إسرائيل لهزيمة عسكرية في تلك الحرب". إلا أن انتصارها عزز من قوتها، ودفعها لتشغيل مجمع ديمونه بطاقته القصوى، وبدأت في ذلك العام صنع 4 إلى 5 قنابل نووية.

وعندما وصل نيكسون للسلطة، أتى بهنري كيسنجر كوزير للخارجية، وكان هذا الأخير قبل ذلك، جد متحمس لامتلاك إسرائيل السلاح النووي، إلا أنه أعلن في مذكراته للرئيس الأمريكي بأنه من الأفيد لإسرائيل أن تحافظ على سرية امتلاك السلاح النووي.

وهذا "التمييز الذي جاء به كيسنجر بين الامتلاك العلني للسلاح النووي، والامتلاك السري، له شكل الأرضية الصلبة للتفاهم التاريخي الذي جرى بين الرئيس نيكسون ورئيسة الحكومة الإسرائيلية غولدا مائير".

ولما اعترفت مائير للرئيس نيكسون امتلاك إسرائيل للسلاح النووي، خفت الضغوط، وتراجعت مطالب رقابة الأمريكيين على المشروع ومراقبتهم له.

وأمام سرية المشروع، لم توقع إسرائيل على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، لكنها التزمت بعدم الإعلان عنه أو القيام بتجارب نووية. وقد استمر الأمر مع الرؤساء الأمريكيين اللاحقين، ريغان وبوش الأب وكلينتون وبوش الإبن وأوباما...لا بل إن هذا الأخير وقع على وثيقة مكتوبة في العام 2010، مفادها أن الولايات المتحدة "لن تخطو أي خطوة سياسية من شأنها الإضرار بقدرة الردع الإسرائيلي".

الخلاصة، يقول الكاتب، إن إسرائيل لم تنفك تتمسك بسياسة الغموض النووي منذ ما يربو على خمسة عقود، ولا يزال هناك شبه إجماع في صفوف المؤسستين السياسية والعسكرية في إسرائيل، على ضرورة الاستمرار في تبني هذه السياسة في المستقبل المنظور، ما دامت إسرائيل تحتكر السلاح النووي في المنطقة...وتهدد به كل من عاداها أو راهن على هزيمتها...فما بالك تدميرها وإزالتها من الوجود.

* "سياسة الغموض النووي الإسرائيلي"، محمود محارب، نافذة "قرأت لكم"، 14 نونبر 2013.

يمكنكم مشاركة هذا المقال