تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

لماذا لا يفهمون ابن تيمية؟

عبد الله السفياني، مركز نماء للبحوث والدراسات، الرياض، شتنبر 2013، 19 ص.

مناقشة هذه العبارة، يقول الكاتب، "فيها احتمالات كثيرة، إذ أن بعض من يطلقها لا يسلم من تزكية نفسه باعتباره الفاهم الوحيد لابن تيمية، واستخدامها على هذا النحو من الإطلاق لا يخلو من إساءة لشيخ الإسلام نفسه. فمن يكتب في العلم والمعرفة كلاما لا يفهمه كل هؤلاء الدارسين تعود فيه اللائمة عليه هو".

ويتابع: إن "النص التيمي ليس نصا (غنوصيا) ولا صوفيا إشاريا، كبعض نصوص ابن عربي والنفري والتلمساني وأضرابهم، بل هو نص معرفي قائم على الحجة والبرهان، وممتلئ بأدلة الكتاب والسنة القائمة على البيان والظهور".

إن عملية الفهم ليست كتلة واحدة يمكن تحصيلها من قراءة أي نص معرفي، يقول الكاتب، بل هو درجات تتفاوت من قارئ لآخر. "وادعاء امتلاك الفهم الكلي للنص بمعرفة ظاهره وباطنه ومراد قائله، أمر متعذر في غالب الأمر، فكيف إذا كان النص المراد فهمه عشرات من المجلدات، فهو لا شك من المحال".

وكما كنا نقرأ لنقاد يسقطون المتنبي ويتهمونه بالسرقة وعدم الشعرية، ولآخرين يجعلون منه أسطورة الشعر العربي الخالدة، فإننا، يلاحظ الكاتب، نجد ذات الفكرة عند ابن تيمية في المجال المعرفي، بين قادح لا يرى له من العلم والفضل شيء، وآخرون بلغوا به حد القداسة.

لكن الكاتب يتساءل عن السبب الذي يجعل صورة ابن تيمية مشوهة، لا سيما من قبل المدرسة السلفية، "مع أنهم أخص الناس به وأعلمهم بتراثه، وأكثرهم حفاوة ومدارسة له، مع حرصهم الشديد على أن يبقى رمزا لا يمس، وتحفظ له المكانة والتقدير".

بالمقابل، يقر الكاتب بأن التعرف على ابن تيمية وغيره من السلف والخلف الماضين "لا يكون إلا من خلال قراءة تراثهم المعرفي والتفاعل معه، ومعرفة الأشخاص وسماتهم النفسية والشخصية من خلال المقروء، ليس كالتعرف من خلال الاحتكاك والمعايشة، لأن اللغة وإن كانت سبيل التواصل تظل مساهمتها في نقل الصورة والسمات قاصرة إلى حد كبير".

إن من أسباب قصور المدرسة السلفية في تقديم ابن تيمية، يؤكد الكاتب، "أنها وقفت أمام المستوى الأدنى في فهم النص التيمي، وقدمته على هذه الحدود التي أتاحتها أصلاً مناهج التعليم وطرائق التدريس، التي يعيشها العالم العربي بصفة عامة".

وما وقع مع ابن تيمية وغيره من المفكرين، "أن حدود فهمهم وقف عند قراءة الرسالة دون إدراك للسياق والشيفرة التي ميزت ابن تيمية عن غيره من جيله، ومن بعدهم، بل ميزت خطابه الجدلي الحجاجي مع الفِرق والمذاهب، ورسائله وفتاويه وكتبه، وهذه الشيفرة ليست في اللغة والأسلوب فحسب، بل في طريقة المعالجة وأنماط التفكير وطريقة التحليل وكيفية بناء المعرفة".

من هنا يتضح اختلاف هدف القراءة، بنظر الكاتب، إذ الذين قدموا ابن تيمية قدموه كنتيجة وليس كعملية، وقدموه كدليل وليس كاستدلال، وقدموه بطريقة نهائية وليس تراتبية، لأنهم قرأوه هكذا.

ولذلك فإن الذين يكون هدفهم من القراءة الحصول على الإجابة النهائية، ويغفلون عن كيفية حصولها وطريقة تحريرها، "يكفيهم من النص التيمي كلمات من مثل (حرام وحلال وكفر وإيمان) وغيرها، مما يريحهم من عناء النظر والتحليل لفهم ملابسات هذه الأحكام، وكيفية توليد أحكام مشابهة لها لحوادث أخرى، فضلا عن معرفة صحة هذه الأحكام من خطئها. ولذلك ظهر لكثيرين أن ابن تيمية مجرد محرم ومكفر، لأنه يحضر في هذه الفتاوى دون غيرها إلا ما ندر، وحين يستحضر يحضر دون تدليل وحجج بل يجرد منها، ويسشهد بحكمه النهائي".

إنه من القضايا التي لم ترع حق الرعاية "التعامل مع ابن تيمية كعقل واحد ومنهج واحد ورأي واحد، دون التفات إلى أن ابن تيمية لم يكن عقلا واحدا عبر تراثه الذي استمر فترة حياته الحافلة بالتأليف، فلا يعقل أبدا أن يكون صورة واحدة لم تتعرض للنمو والتغير والتصحيح والتعديل".

ثم إن الذي يقرأ ما قدمته المدرسة السلفية في كثير من إنتاجها عنه، "يكاد يجزم أن ابن تيمية لم يكن له شأن ولا هدف سوى الرد والنقض والتقويض، لأنه يحضر بهذه الصفة في الدراسات والكتب ويغيب ابن تيمية المفكر البنائي صاحب المشروع الإصلاحي".

إن ابن تيمية ليس مجرد ناقد وداحض لفكر خصومه فحسب، ولكنه إلى جانب ذلك صاحب مشروع فكري، يقول الكاتب. "لقد قام ببناء نظام من الأفكار ينتمي إليه وحده، فهو صاحبه ومبدعه، كما هو بنفس الدرجة صاحب مدرسة مازال انتشارها واسعا حتى اليوم في كل أرجاء العالم الإسلامي".

* "لماذا لا يفهمون ابن تيمية؟"، عبد الله السفياني، نافذة "قرأت لكم"، 19 شتنبر 2013.

يمكنكم مشاركة هذا المقال