تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"إشكالية القيم بين الثقافة والعلم"

الحسان شهيد، مركز نماء للبحوث والدراسات، الرياض، فبراير 2014، 25 ص.

بمدخل هذه الدراسة، يقول الكاتب: إن  "إطلاق العنان للعقل بكل مكوناته وأساليبه ومناهجه، في خدمة مصالح الإنسان على مستوى الفرد دون مراعاة لمصالحه بحسب المآلات والمستقبل لمصالحه الجماعية، نتج عن ذلك تفريط واضح في الجوانب الثقافية، بما فيها القيمية والأخلاقية، التي تؤسس للعيش المشترك والوجود المستمر للإنسان".

ويتابع بالقول بأن "تمظهرات التدافع القيمي بين الثقافات، لم يخرج عن أشكال تقليدية وصور بدائية، تبدو في الحروب والغارات على وجه الخصوص، لكن الوقت المعاصر تعقدت فيه أوجه الصراع والتدافع، بتعقد المستجدات الحضارية وآليات التواصل من إعلام وتقنية وعلم، وغير ذلك".

إن مشروع العولمة باعتباره أحد أشكال التعارف الثقافي والتدافع الحضاري إنما يعتبره الكاتب بمثابة  أجلى الصور التاريخية الخطيرة في تهديد الأسس الإنسانية للمنظومة القيمية لدى الثقافات المتعددة.

فالعولمة المعاصرة، "بمظاهرها وتجلياتها، تتسلل إلى المناطق الحساسة في القيم الروحية، إلى أن يستأنس الإنسان مع أشكال تطبيعية إلى درجة العادة والأمر الواقع... إن مبلغ التطبيع والتعاقد النفسي مع الأشكال العولمية، التي تمس الجوانب القيمية في الإنسان، يصعب معها التخلص من تلك الأشكال، وإعادة الاعتبار لتلك القيم خلال مرحلة معينة من مراحل ذلك التطبيع. مما يتطلب جهدا ضافيا ومدروسا في تغيير الوضع القائم".

من جهة أخرى، يعتقد الكاتب أن البحث العلمي يمثل رأس سنام الحضارة الغربية المعاصرة، "إذ لم يعد أي مجال إنساني  اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي في منأى عن التدخل السافر للنزعة العلمية، وذلك من بواكير المشاريع المرافقة لخط العولمة القاهرة لكل ما هو في غنى عن استعارة العلوم. إلا أن خطورة الأمر المشار إليه هو ذلك الانتقال البطيء والمستتر لآليات العلم وتقنياته المادية، إلى ما هو روحي ووجداني وقيمي في حياة الإنسان، قد يفقده خصوصياته الثقافية أحيانا، ويفرغه من مضمونه الوجداني أحيانا أخرى".

معنى ذلك، بنظره، أن هذه الثورة العلمية في صناعة الإعلام، "ستتقلب معها خصوصيات النظر القيمي عند الإنسان، عند المتلقي أو المستقبل، بناء على درجات إدراكه ووعيه بالفكرة المقصودة، حتى أصبحت للإعلام سلطة جامحة في صناعة قرارات قوية، وتهيئة لأجواء بناء منظومة قيمية جديدة".

ويلاحظ الكاتب أن القوة الإعلامية الموجهة قد استطاعت خرق عدد من القيم النبيلة، متجاوزة بذلك روح الأمانة العلمية أحيانا، وقيمة العدل في أحيانا أخرى، مستعملة في ذلك سلطتها وغفلة المتلقي وضعف الآخر. ويمكن التدليل على ذلك "بنسبة الملكية الأدبية، أو ببراءة الاختراع التاريخية، إلى علماء لهم أوصاف واستثناءات خاصة، مع إغفال و تهميش صاحبها الأول، وإقصائه إما لأسباب ثقافية أو حضارية، كنسبة علم الاجتماع لإميل دوركايم الفرنسي بدل ابن خلدون، وإلحاق اكتشاف الدورة الدموية بهارفي الإنجليزي أو سيرفيتوس الإسباني بدل ابن النفيس، وكذا نسبة اكتشاف قوانين الضوء بالألماني يوهانز كيل بدل ابن الهيثم محمد بن الحسن، وقد استكملت الآلة الإعلامية هذا الدور بشكل لافت".

إن مصطلح العولمة يحمل، حسب الكاتب، إشارات قوية في اشتقاقه اللغوي لدلالات القوة والسلطة، كلها "تشي بالإكراه في تغيير العالم قهرا وقسرا، وفق نمط متعين ومحفوظ. ويظهر ذلك الاتجاه إلى جانب السلطة المذكورة، في اعتماد سلط قانونية وسياسية تروم فرض واقع جديد، قد يصطدم مع الخصوصيات الثقافية للشعوب المختلفة، وتدوس على مجموعة من القيم الأساسية الممانعة الدلالات المبشر بها".

بامتداد لذلك، يقر الكاتب بقوة الإعلام وقدرته الهائلة على "تحويل الضحية جلادا، اعتمادا على الكذب والتدليس وسلب الحقوق من الناس، وتغيير موقع الجلاد إلى صورة الضحية المعتدى عليها، لتبرير كل أفعالها غير المشروعة ضد خصومها. إن هذا التدليل في التقويم مساس بقيمة العدل وامتهان لكرامة العدل، وكيل بمكاييل مختلفة وفق أهواء الناس. كما أن في ذلك استغلال بشع لقيم نبيلة، إما للتدخل في شؤون الدول، أو لاحتلالها بحجة ظلم الناس، أو لتبرير الاحتلالات الدولية كما هو الشأن في فلسطين، أو لاعتقال الناس ومحاكمتهم دون وجه حق، كما حدث بمعتقلات العار بكوانتانامو وغيرها بحجة العدالة الدولية".

* "إشكالية القيم بين الثقافة والعلم"، الحسان شهيد، نافذة "قرأت لكم"، 1 ماي 2014.

يمكنكم مشاركة هذا المقال