*كيف تصف حصيلة برامج برمضان لسنة 2013 سواء بالنسبة للقناتين الأولى والثانية؟
يحيى اليحياوي: لا تختلف حصيلة هذه السنة عن السنة السابقة، على الرغم من أننا كنا نراهن على "محصول" جيد بهذه السنة بحكم تفعيل دفاتر تحملات جديدة، والخطب الكثيرة التي سمعناها من مسؤولين سياسيين، وعدونا فيها بأنهم سيقطعون مع الماضي، وسيعملون على أن تتصالح التلفزة مع جمهورها.
كل هذه الوعود تكسرت على أرض الواقع، لا سيما وأنه بدا لنا من اليوم الأول لحكومة بنكيران، وعلى هامش النقاش حول دفاتر التحملات، أن الأمر لن يخرج عن المعتاد بالجملة والتفصيل. والسبب في ذلك، أن المنظومة بقيت كما هي، لم تتغير لا على المستوى المؤسساتي الصرف، ولا على مستوى القائمين على التلفزيون تصورا وتنفيذا. نحن هنا بحالة تشبه من يراهن على الربح بفريق كل تاريخه فشل، اللهم إلا إذا انقلبت الموازين وبات الإدمان على الفشل معيارا للنجاح.
لو تأملنا الشبكة البرامجية لرمضان العام 2013 لبرز ذلك جليا وبكل المقاييس. وأود هنا أن أجيب على تساؤلك بتساؤلات عامة وعابرة وانطباعية حتى، لكنها تضمر بعض عناصر الجواب. هل يعقل أن يخضع المشاهد لقصف إشهاري عنيف للغاية بمجرد انتهاء آذان المغرب، ودون مراعاة حرمة الشهر، ودونما أن يستتبع الآذان مثلا بدعاء الصائم أو بابتهالات دينية أو بما سواها؟ وهل يعقل، والشهر شهر صيام، ألا تبث ولو مادة دينية في ساعات الذروة؟
من جهة أخرى، هل يعقل أن تقدم لنا تزامنا والإفطار وصلات في الكاميرا الخفية استفزازية ومقرفة ومثيرة للشفقة، ناهيك عن كونها مرتبة مع الضيوف، ولا تحيل لا على المتعة ولا على التثقيف أو الفرجة؟ وهل يعقل أن يكون شكل هذه الوصلات ومضمونها باهتا ورديئا ومثيرا للاشمئزاز في الوقت أن التجارب الأجنبية في هذا المجال متوفرة وبالإمكان الإفادة منها؟
من جهة ثالثة، هل من المعقول الإبقاء على السيتكومات كما هي في شكلها وفي مضمونها وبنفس الوجوه، على الرغم من استياء الجمهور من ذلك بمواسم سابقة، حيث لا إبداع في السيناريوهات ولا مجهود في الإخراج ولا حبكة فنية تحيل على الفرجة والترفيه؟
يبدو لي بالمحصلة، أن ثمة استهتار أيما استهتار بشعور المواطن وبذوقه، انضاف إليه هذه السنة معطى التنغيص الذي كان بالماضي بمستويات أقل.
*هل أخفقت حكومة "بنكيران" في تحقيق مصالحة الجمهور المغربي مع جهاز التلفزيون؟
يحيى اليحياوي: للحكومة ولوزير الاتصال تحديدا، ناهيك عن الهيئة العليا للاتصال السمعي/البصري، مسؤولية لا أقول سياسية، بل أخلاقية. إذ كيفما يكون الحال، فإن هذه المستويات مسؤولة عن هذه الرداءة والميوعة بشكل من الأشكال، دعي عنك الزعم بأن القناتين مستقلتين ماليا ومعنويا، أو القول بأن الوصاية أو الرقابة لا يمكن أن تذهبا لحد تنبيه المسؤولين على قنوات القطب العمومي.
من جهة أخرى، قد يقول قائل بأن الحكومة لا تزال ببداياتها الأولى في إصلاح هذا القطاع، ولا يجب محاسبتها على مسلسل طويل يحاول أن يطاول البنية لا المظهر. وقد يقول آخر بأن لجنة الاختيارات "المستقلة" هي التي أجازت هذه المادة أو تلك. وهذا قد يكون صحيحا. لكن ومع ذلك، فالقطب العمومي مرفق حيوي من مرافق الدولة الحساسة، من خلاله يتكون الذوق العام ويتم عبره الرفع من منسوب الوعي.
من ناحية أخرى، وقياسا إلى التزامات وزير الاتصال شخصيا وتلويحه بالاستقالة إن لم يستطع تحريك الأمور، قياسا إلى هذه الالتزامات يبدو أن ثمة إخفاق حقا على الأقل بناء على ما تم ترويجه في هذا الشهر الكريم.
* ما هي الأسباب في نظركم؟
يحيى اليحياوي: هناك أسباب متعددة، لكن أقواها على الإطلاق تمنع قنوات القطب العمومي في الامتثال لما كانت الحكومة تعتزم القيام به. ولك أن تتذكري كيف تم تعامل مسؤولي القناة الثانية مثلا مع دفاتر التحملات ببداية حكومة بنكيران، وكيف أن مديرة الأخبار ناهضتها بالجملة والتفصيل، وأعلنت جهارة أنها لن تأخذ بهذه الدفاتر لأنها لا تتماشى مع "العصرنة والانتقال إلى المجتمع الحداثي". وقد كان لها ذلك، بعدما انتزع الملف من وزير الاتصال وأحيل على وزير السكنى.
لقد قلت من أكثر من 15 سنة بأن التلفزة عصية على الإصلاح، ليس فقط لأن من يثوي خلفها (أعني الرئيس المدير العام وفريقه بالقناتين) هو شخص مقرب من السلطة، بل وأيضا لأن التلفزة نفسها جزء من منظومة السلطة في شكلها المادي والرمزي على حد سواء. وإلا فكيف نفسر بقاء نفس الشخص أكثر من عقد من الزمن على رأس المؤسسة وكل المؤشرات تبين فشله في استنبات مرفق تلفزيوني عام وعمومي يستهدف خدمة ثلاثية "الإخبار والتثقيف والترفيه"؟
*بالرغم من الانتقادات الموجهة إلى برامج برمضان بكلا القناتين من طرف الجمهور إلا أن القناتين وشركات الإنتاج تشهران أرقام ماروك ميتري التي تظهر نسب مشاهدة عالية حتى على البرامج التي نالت نقدا على مواقع التواصل الاجتماعي، ما السبب وراء هذه الازدواجية لدى المشاهد المغربي؟
يحيى اليحياوي: مؤسسة ماروك ميتري تختار عينة من الجمهور، وتضع بأجهزة التقاطه أدوات تتبع بزمن الذروة أو بغيره، فتبني على ذلك استنتاجات قد لا تكون خاطئة بمقياس القناة المشغلة فترة القياس. وهو معطى ضروري لكنه غير كاف بالمرة، وإلا لاعتبرنا أن نسبة المشاهدة تعبر عن نسبة الرضى والقبول، وهذا أمر ليس صحيحا.
أنا أتصور أن هذه النسب هي من قبيل قول الحق المحيل على الباطل. إذ المطلوب هو قياس مستوى رضى الجمهور عن هذه المادة التلفزية أو تلك. إذا لم يكن الأمر كذلك، فإننا سنعتبر أن من يلج السوق لاقتناء ضرورياته هو راض عن الأسعار المطبقة بالسوق. بالتالي، فلو تم الاحتكام لهذا المعطى، فستنزل هذه النسب إلى أسفل سافلين وأكثر.
*هل يلعب ذلك دورا في عدم مبالاة المسؤولين للانتقادات المتكررة ؟
يحيى اليحياوي: من دون شك، وإلا كيف نفسر قول الرئيس المدير العام للقطب العمومي بإحدى الاستجوابات بأنه راض عما يقدم هذا الشهر، لا بل ويزعم أن ما يقدم يتجاوب مع تطلعات الجمهور. لست أدري من أين استقى هذا الاستنتاج اللهم إلا إذا كان الأمر مجرد انطباع لا يقاس عليه بالمرة.
الخطير في الأمر أننا سنكون حتما بإزاء نفس التشكيلة البرامجية للعام المقبل مادام أن "أولي الأمر منا" راضون عما قدم هذه السنة وما قدم من ذي قبل.
*هل التأخر الحاصل على مستوى تسويق البرمجة الرمضانية أيضا يساهم في الارتجالية التي تعرفها الشبكة الرمضانية؟
يحيى اليحياوي: هذا عنصر من عناصر الارتباك. العنصر الآخر هو أن حلقات المواد المبرمجة غالبا ما لا تكون جاهزة ومعتمدة، بل تصمم يوما بيوم. بالتالي، فلو أضيف إكراه الوقت إلى ضعف المضامين المشتغل عليها، ناهيك عن الشكل، فإن المنتج سيكون حاملا حتما لعيوب هذه المراحل مجتمعة. وهذه مسألة ليست جديدة، أو استثنائية، بل باتت القاعدة بكل رمضان. وهذا مؤشر إضافي على أن بعد الإبداع، المستهلك للوقت والجهد، سيكون الضحية الأولى.
*ما السبيل حتى نقف مسلسل الاستخفاف بالجمهور المغربي؟
يحيى اليحياوي: هذا السؤال يستوجب البحث عن جواب لسؤال آخر: إذا كان الجمهور العام متذمرا لحد السخط، ومؤسسة ماروك ميتري تبين العكس، والرئيس المدير العام راض عما يقدم، فمن نحاسب؟ رأيي بهذه النقطة معروف من مدة طويلة، ورأيي بأن الجمهور المغربي جمهور ذو ذوق رفيع مؤكد لدي أيضا. فلنبحث عن الحلقة المفقودة في هذه المعادلة.
*في رأيك كيف يمكن للنقد الإعلامي أن يساهم في التغيير؟
يحيى اليحياوي: النقد التلفزيوني ليس مادة لبخس هذا العمل أو ذاك، أو التحامل على هذه الجهة أو تلك. فأنا لست صاحب محطة ولست منتجا ولا مخرجا ولا ممثلا، حتى يقال بأن لي مصلحة في هذا القول أو ذاك. لكني مع ذلك أرى أننا لا نتوفر على التلفزة التي نستحق. فقنواتنا قنوات متكلسة، عقيمة، رتيبة، تتلذذ بالتنغيص علينا، تستبلدنا و لا تعير كبير اهتمام لردود فعلنا. إن عالم البث الفضائي يموج من حولها، وهي قابعة في إعادة إنتاج الرداءة إلى ما لا نهاية. حسبنا الله ونعم الوكيل.
* "يحيى اليحياوي لجريدة المساء: العبرة بنسبة الرضا على البرامج التلفزيونية وليس بنسبة المتابعة"، استجواب، جريدة المساء، 8 غشت 2013.