يحيى اليحياوي، مركز أسبار للدراسات والبحوث والإعلام، الرياض، مارس 2013، 20 ص.
ينطلق الكاتب من ثلاث ملاحظات أولية، تبدو له اساسية لرفع اللبس ودرء اللاتباس:
+ الأولى و"تتعلق بجوهر وماهية وطبيعة ما بات منذ مدة يطلق عليه بحركية العولمة/الكونية أو الشوملة، كتعبير عن توجهات عميقة كبرى، تحتكم وتجر بسياقها عناصر اقتصادية وتكنولوجية وجيوستراتيجية ومؤسساتية ضخمة، لم تفلح نظريات التجارة الدولية المعتادة، في الإمساك بدواليبها ووقائعها ومواصفاتها، ولا بالفضاء العام الذي تشتغل، وتنتظم بداخله".
لا يأتي ضعف هذه النظريات، يتابع الكاتب، في ضبط ما يعتمل بالعلاقات الاقتصادية الدولية، من تقصير ذاتي كامن بها، أو ملازم لصيرورتها فحسب، بل وكذلك من خاصية "فك الارتباط" المتزايدة، بين الفضاء الاقتصادي الواسع والشامل (فضاء الشركات الشمولية)، وبين الفضاء السياسي الذي لا يزال بعمقه وجوهره، محكوما باعتبارات وطنية خالصة، وتمثلات قومية صرفة.
+ الملاحظة الثانية ومفادها التالي، يقول الكاتب: "إن أهم مميزات العولمة الحالية، ولربما أقواها على الإطلاق (تماما كالشوملة المتزايدة المد)، أنها ليست فقط ليبيرالية أو تجارية أو ذات منسوب تنافسي كبير، ولكنها تتقاطع بأكثر من جانب، مع الانتقال التدريجي بجهة مرحلة جديدة من الرأسمالية، تعارف جزء كبير من اقتصاديي السوق والبنى الصناعية والعلاقات الدولية، على وشمها بصفة الرأسمالية الإدراكية.
ويتابع: إن "التحولات العميقة التي طاولت طبيعة توزيع العمل، والدور الجديد للعناصر اللامادية، وتزايد قوة المال وغيرها، إنما هي عناصر متشابكة لمسلسلات إعادات الهيكلة الحالية التي تشهدها الرأسمالية. هذه التشابكات والتفاعلات هي الفرضية التي تسعى أطروحة الرأسمالية الإداركية إلى تشريحها، بغرض إعادة الأسبقية للتحليل المرتكز على الدور المحرك لعلاقة رأس المال بالعمل".
بالآن ذاته، فإن خصوصية فرضية الرأسمالية الإدراكية إنما تتمثل (على الأقل بنظر متبنيها) في رفض كل اعتقاد يؤمن بالدور المحدد والحاسم للتكنولوجيا، كل التكنولوجيا، وأيضا في رفضها المطلق للمقاربة الاختزالية التي تحصر اقتصاد المعرفة في الأنشطة المجردة، التي تتكفل فقط بإنتاج المعارف.
+ أما الملاحظة الثالثة، فتبدو للباحث كالتالي: "إن القبول بفرضية تحول الرأسمالية زمن العولمة والشوملة، أو تحت تأثيرهما المباشر، لا يحيل فقط على فرضية موازية لها، فرضية تحول نمط التنظيم الذي تحتكم إليه ذات الرأسمالية في فعلها وتفاعلها، بل ويحيل أيضا على فرضية أخرى ملازمة للفرضيتين معا، ترتبط عضويا بنمط وأشكال التراكم، باعتباره خاصية الرأسمالية وغايتها القصوى، بالماضي كما بالوقت الحاضر، كما بالزمن المنظور".
من هنا، فإن فرضية الرأسمالية الإدراكية لا تعبر عن قطيعة ما بصلب نمط الإنتاج (لأننا لم نخرج من ولا على منطق الرأسمالية، يقول أصحاب ذات الرؤية)، بقدر ما تعبر عن "حقيقة أن المكونات الكبرى للنمط إياه، إنما تتجدد باستمرار، تماما كما كان الشأن بزمن الرأسمالية التجارية ثم الصناعية، وذلك حتى وإن سلمنا بأن بعض خصائص نموذج التراكم الجديد الناشئة، تتحدد بالقطيعة عن ومع بعض العناصر القارة للرأسمالية الصناعية، التي عشناها من قرون عديدة مضت".
من ناحية أخرى، فلو سلمنا جدلا بفرضية انتقال تقسيم العمل من التقسيم التايلوري التقليدي المتعارف عليه، إلى تقسيم إدراكي جديد للعمل، نتيجة حركية رأس المال المستمرة، "فإننا سنسلم بالآن ذاته، بأن تقدم الرأسمالية الإدراكية إنما يسير بالتوازي وتوجه عميق بجهة قطبية جغرافيا التنمية بين الجهات والأوطان، سيكون من شأنه حتما، الدفع بالعديد من الدول سيما دول العالم الثالث، إلى ما يمكن تسميته تحديدا أو تجاوزا بانفراط الارتباط القسري".
إننا، عندما نتحدث عن الرأسمالية الإدراكية، يقول الكاتب، "فإننا نعني النظام الذي يحتل تراكم المعرفة بصلبه موقع المركز، أي النظام الذي يشتغل على أساس من توفر منسوب إدراكي عال، حجما وعلى مستوى النوعية. وإذا كانت الفكرة التي مؤداها أن للمعرفة دورا محوريا في الدينامية الإنتاجية والاقتصادية، قد تم الإعلان عنها وتعميقها، والتنظير لها من قرون وعقود مضت (أدم سميث، فرديريك ليست، كارل ماركس، جوزيف شمبيتير، فردريك حايك وآخرين)، فإنها (المعرفة أقصد) غالبا ما كانت لا تقارب إلا وفق زاوية نظر محددة، زاوية تقسيم العمل، أو زاوية الإبداع التكنولوجي، أو زاوية اشتغال الأسواق وتنظيمها، ونادرا ما كان ينظر إليها كنشاط قائم لذاته، أي كنشاط موضوع للاستثمار، له فضاؤه المستقل".
الرأسمالية الإدراكية هنا إنما هي "نظام آخر للتراكم، نظام يراهن بالبداية وبالمحصلة على المعرفة وعلى الإبداع، أي على أشكال الاستثمار اللامادية"، المباشر منها كما غير المباشر على حد سواء.
معنى هذا أن "الأرباح بظل الرأسمالية الإدراكية، لم تعد تتأتى من الإنتاج المادي المباشر والصرف، بل تتأتى من التراكم في المعارف والإبداعات، مما يتم الاستفراد به على مستوى حقوق الملكية، مما يتم تصميمه من شبكات ومن تحالفات، ومما يتم تعظيمه من قدرة على تسيير المشاريع ذات الطبيعة المؤسساتية والتنظيمية الكبرى".
ومعناه ايضا، يتابع الباحث، أن "الرأسمالية الإدراكية لا تمحي المنطق الإنتاجي للرأسمالية الصناعية بالمرة، ولا تتجاهل طبيعة النمو المرتكز على السلع المادية، إنها تعيد تركيب كل ذلك، وتقويه عبر وضع العلم والتكنولوجيا الجديدة في خدمة هدف بلوغ التنميط والتملك الخاص للأحياء، والذي كان من شأنه طيلة قرني الرأسمالية الصناعية، تعميق مخاطر تقويض التنوع، وإشاعة عدم الاستقرار البيئي على مستوى الكون قاطبة".
ولهذا الاعتبار، فإن الرأسمالية الإدراكية إنما تجمع العديد من مكامن نمط السلطة الاقتصادية (الرأسمالية)، وبالآن ذاته العديد من وضعيات التنظيم الإنتاجي المرتكز على المعرفة. هي شكل من أشكال التنظيم الاقتصادي للمجتمع من ناحية، و نمط من أنماط الإنتاج الجديدة من جهة أخرى. بالتالي، فإن "المقاولة هنا لم تعد نفس المقاولة. إنها باتت المقاولة/الشبكة. إنها المقاومة المهيمنة على الجسم الاجتماعي. إنها المقاولة التي تدفع المجتمع برمته ليغدو المسؤول عن التراكم".
ويعتقد الكاتب أن تكريس الرأسمالية الإدراكية، بداية هذا القرن، إنما يسير بالتوازي مع جنوح عميق للقطبية في جغرافية التنمية بين الجهات والأمم. ويبدو أن من شأن ذات التكريس كما ذات الجنوح، دفع دول العالم الثالث، سيما التي لا تتوفر على كفاءات في العمل عالية، إلى ما يشبه "الانفصام القسري" عن مسارات التنمية السائدة.
ولعل مما يجعل الجنوح إياه يتقوى ويتسع، تلك "التوجهات المتسارعة بجهة خوصصة الحياة، والدفع بالثورة البيوتكنولوجية درجات قصوى، لتمكين شركات الشمال الكبرى من التملك الرخيص للمصادر الجينية والمعارف التقليدية المتوفرة ببلدان الجنوب، مع العمل على تعويض العديد من السلع التقليدية المستوردة من ذات البلدان، بسلع جديدة منتجة بالشمال، قد لا تكون لساكنة الجنوب القدرة ولا القابلية على استعمالها".
بهذه النقطة، يتساءل الكاتب: "هل تتوجه اقتصاديات دول العالم الثالث بجهة الاندماج في الاقتصاد الإدراكي العالمي؟ أم ستكون على العكس من ذلك، ضحية للاستقطاب القوي الذي أفرزه التوزيع الدولي التقليدي للعمل، ويعمل التوزيع الإدراكي الحالي على رفده وضمان الامتداد له بالزمن والمكان؟".
في محاولة من جانبه للجواب، يعتقد الكاتب "أن التوزيع العالمي الجديد للعمل إنما ينفي بحدة، الأطروحة التي مفادها أن دول العالم الثالث يجب أن تتخصص في الأنشطة الكثيفة العمالة، وتترك جانبا الأنشطة الأكثر مضمونا معرفيا. بمعنى أن مسلسل التقاطب التراكمي الداخلي لاقتصاد المعرفة، وعدم القدرة على التراجع على مسلسل نقل الأنشطة، التي باتت هينة وممكنة بفضل تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال، دون أن ننسى قدرة البيوتكنولوجيا على خلق سلع تعوض المواد الأولية القديمة المستوردة من الجنوب، كل هذا يجعل من هذا النوع من استراتيجية الاندماج بالتوزيع العالمي للعمل، المدخل الأساس المحيل حتما على فك الارتباط القسري، في الوقت الذي نجد فيه أن أن للعديد من دول الجنوب مزايا كبرى للاندماج بصلب التوزيع الجديد، شريطة أن تمنح لها السبل والأدوات".
* "العولمة والرأسمالية الإدراكية والتوزيع العالمي للمعرفة"، موقع أسبار للدراسات والبحوث والإعلام، قضية الشهر، الرياض، 15 مارس 2013.