تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

عن البرمجة التلفزيونية ببعض الفضائيات العربية

news-details

من المؤكد اليوم بجل البلدان العربية، أن أكبر عدد من الهيئات التي تبث قنوات تلفزيونية أو تعيد بثها، يعود للقطاع الخاص، مقارنة بهيئات القطاع العام، وذلك بسبب الفورة التكنولوجية، التي تجاوزت على مرحلة النذرة، وأيضا بسبب تراجع الاحتكار العمومي لهذا القطاع بمعظم هذه البلدان. هذه سمة أولى.

أما السمة الثانية لخارطة القنوات التلفزيونية العربية، فتتمثل في هيمنة القنوات المتخصصة (أكثر من 70 بالمائة من مجموع القنوات) مقارنة بالقنوات الجامعة، حتى بات التخصص إياه يغطي كل المشارب والمجالات: أخبار، أطفال، موسيقى، سينما، تعليم، رياضة، دين، اقتصاد ومال، وما سوى ذلك.

ولعل الهدف الأساس لهذه القنوات إنما تحقيق الربح والمزيد من الربح، وفي العديد من الأحيان، على حساب الذوق الرفيع والقيم والإبداع الفني.

من جهة أخرى، فلو تسنى لنا أن نلقي نظرة وجيزة على بنية شبكة هذه القنوات، سيما الجامعة منها، لوقففنا عند الخاصيات الكبرى التالية التي تطبعها:

+ الأولى أنها متمايزة في مدة بثها الزمني، بين من يبث على مدار اليوم، وبين من يبث 17 ساعة فقط في اليوم. أما نسبة من يبث أقل من ذلك، فهي قليلة للغاية.

+ الخاصية الثانية: أن هذه القنوات تقدم معظم أشكال وأصناف البرامج، بدءا من المواد الدرامية، إلى البرامج الإخبارية والدينية، وبرامج الأطفال، والبرامج الثقافية، والمرأة، والاقتصاد، والعلوم والتكنولوجيا، والطب، وبرامج الشباب والرياضة...الخ. لكن معظمها يراهن على المسلسلات، باعتبار أن هذه الأخيرة " تقوم بدور اجتماعي وسياسي كبير، ممثلا في الإنتاج الرمزي الذي يزيد في التماسك الاجتماعي، وتعيد بناء الواقع أو تقدم نفسها كمتنفس، وتتحول في بعض الأحيان إلى مشروع سياسي".

+ الخاصية الثالثة: نلاحظ أن البرامج والمواد الثقافية لم تعد تحظى بمكانة مهمة في بنية شبكة برامج القنوات التلفزيونية العمومية الجامعة، وقد تضاءلت هذه النسبة في بعض القنوات التلفزيونية إلى درجة أنها فقدت كل معنى.

بالآن ذاته، ازداد منسوب البعد الترفيهي والتسلوي وتقلص حجم الأفلام الوثائقية أو التسجيلية، على الرغم من تواضع تكلفتها، وتعطش الجمهور إليها.

بالمقابل، فإن القنوات المتخصصة لا تحمل هذه الصفة إلا فيما يتعلق بالأخبار ( الجزيرة، العربية، تلفزيون الشرق الأوسط، المنار...الخ) وقنوات السينما (روتانا وأخواتها) التي تقتصر على بث وإعادة بث الأفلام المصرية، عوض تطعيمها بأفلام من باقي دول وقارات العالم، أو الدفع بالسينما لتكون أداة لترقية الثقافة السينمائية، ورفع الحس النقدي للجمهور.

أما عن قواعد البرمجة في القنوات العربية، فالملاحظ أنها تشتغل وفق دورة إلى ثلاث دورات بالسنة. لكنها غالبا ما تخضع للتبديل والتغيير، فتظهر برامج جديدة وتكسف أخرى، دونما استحضار لبعد الاستمرارية، الذي يضمن للبرنامج النجاح والتعود عليه من لدن الجمهور.

هذا الارتجال والاندفاع المتسرع في زعزعة البرمجة، إنما سببه ضعف الإنتاج الوطني والمحلي، وأيضا واقع المنافسة الذي غالبا ما يحدث الارتباك. وهذا الارتباك هو الذي يعبر عن حقيقة أن أكثر من قناة عربية تنتج مواد جيدة، لكنها لا تجد أداة التصريف الجيدة في خارطة البرامج، أو تنظر فيما تنتجه القنوات المنافسة.

هذا الواقع إنما يشي بالتذبذب الواضح بين قناة وأخرى، على مستوى الأسس المعتمدة في إعداد البرمجة التلفزيونية، وعلى مستوى السياسة البرامجية المعتمدة بوجه عام.

ومع أن التباين قائم على مستوى هذه الأسس، فإن الواضح أن كل القنوات تدعي أن متطلبات الجمهور وذوقه وحاجاته، هي التي تكون العنصر الأساس في إعداد عملية البرمجة. هذا مع العلم أن القليل منها هو الذي يتوفر على معطيات عن حجم هذا الجمهور، ومواصفاته، والبرامج التي تستهويه وتشده.

ومع أن المرء قد يسلم بذلك من باب التجاوز، فإن الذي تخفيه هذه القنوات (الجامعة كما المتخصصة) إنما عدم إشارتها إلى الإعلان كمحدد من محددات البرمجة، علما بأنه يعتبر الخيط الناظم لأكثر من قناة بالمغرب وبالمشرق العربي على حد سواء.

أما بعد الهوية كأساس من أسس البرمجة، فنكاد لا نجد له من أثر، إلا بتلفزيون المنار المملوك من لدن حزب الله، والرافع للواء المقاومة والممانعة. وهذا ما يظهر من طبيعة برامجه السياسية والثقافية، بل وحتى برامج الترفيه والتسلية التي يصيغها وفقا لهويته.

أما عن تقنيات البرمجة، فإن الملاحظ أن البرمجة المعاكسة لا نلحظها إلا في القنوات الإخبارية الصرفة، وبالمشرق العربي تحديدا (حالة العربية والجزيرة تحديدا). في حين نجد أن تقنية البرمجة بالمحاكاة هي الطاغية، بدليل أن مضامين العديد من البرامج تتشابه في شكلها ومضمونها من قناة إلى أخرى، جامعة كانت أم متخصصة (استنساخ برنامج "الاتجاه المعاكس" من لدن أكثر من قناة مثلا)، لدرجة أن بعض القنوات تنسى أنها قناة جامعة، وتنساق لمنافسة القنوات المتخصصة. وهي حالات نجدها بمعظم تقنيات البرمجة ...حتى أن بعض القنوات الجامعة تعمد إلى تقنية البرمجة العمودية، التي غالبا ما ترتبط بالقنوات المتخصصة.

وعلى الرغم مما سبق، فإن البرمجة في القنوات التلفزيونية تعترضها صعوبات جمة هي الأخرى:

++ فهي مطالبة بصياغة شبكة لعشرات الملايين من العرب، ببلدانهم الأصل كما ببلدان المهجر، لا تتماهى دائما مع ما يقدم لها من مواد وبرامج، بحكم التباين الجغرافي والفارق الزمني، وإيقاع الحياة الاجتماعية وغيرها.

++ وهي مطالبة بإنتاج أو إدراج برامج تلفزيونية قد ترضي هذه الجهة، وقد لا ترضي تلك. والأمثلة في هذا المضمار عديدة ومتنوعة، لا سيما تلك التي تستحضر الخلافات المذهبية أو العرقية أو ما سواها.

كل هذا ناهيك عن كون العديد من القنوات التلفزيونية لا تتوفر على إدارة في البرمجة، وإذا توفرت عليها، فإن هذه الأخيرة تبقى بمعزل عن عمليات التخطيط للإنتاج، والإنتاج المشترك، وتخطيط عملية اقتناء البرامج التلفزيونية من الخارج وغيرها.

وهذ يعني أن معظم القنوات العربية لم تدرك بعد أن البرمجة هي عمل جماعي بامتياز، تشترك فيه إلى جانب الإدارة المكلفة، إدارة الإنتاج والأخبار والإدارة التجارية وإدارة العلاقات الخارجية، ومجموعة قياس وتتبع نسب المشاهدة والمنافسة وغيرها.

كل هذا يجعل بناء شبكة البرامج بمعظم القنوات التلفزيونية، الجامعة والمتخصصة، عبارة عن عمل روتيني، يقتصر على ملئ خانات البث، حتى وإن أدى ذلك إلى التكرار وتضارب مكونات الشبكة إياها.

إن المبدأ الأساس في البرمجة، يكمن في التخطيط لثلاثية الإنتاج والوقت والبث، وصياغته في إطار مخطط فصلي للإنتاج، يعفي إدارة البرمجة من الارتجال، ويسهل عليها عملية البناء والتقييم، ثم التقويم إن تطلب الأمر ذلك.

وعليه، فإن وظائف إدارة البرمجة التلفزيونية بقناة ما، جامعة أو متخصصة، لا يجب أن ترتكن إلى التنسيق وملء فراغات خانات البث بل يجب أن تعامل باعتبارها "الشريك والمرشد في مجال الإنتاج التلفزيوني، وتخطيطه، وشراء البرامج الأجنبية، وفي تحديد هوية القناة التلفزونية، ورسم سياستها وصورتها لدى المشاهدين".

* "عن البرمجة التلفزيونية ببعض الفضائيات العربية"، 23 يناير 2012.

يمكنكم مشاركة هذا المقال