من أيام قلائل مضت، اتصل الرئيس الفرنسي شخصيا بحكومة قطر ليبلغها حرفيا أن الدكتور يوسف القرضاوي " شخص غير مرغوب فيه في فرنسا، وإذا وصل إلى مطاراتها، فإنه سيعاد على الطائرة نفسها التي أقلته من العاصمة القطرية الدوحة".
لم تكن دواعي ودوافع زيارة الشيخ القرضاوي لفرنسا رسمية، ولا كانت ذات طبيعة سياسية، بل جاءت تلبية لدعوة وجهها له "اتحاد الجمعيات الإسلامية في فرنسا" لحضور مؤتمرها السنوي كضيف شرف، أو لربما لإلقاء مداخلة في ذات المؤتمر أو على هامشه.
لم يكن أمر دخول القرضاوي لفرنسا ليستوجب حصوله على تأشيرة رسمية، بحكم تمتعه بجواز سفر دبلوماسي يعفيه من التأشيرة إياها. إلا أن تزامن ذلك مع أحداث تولوز، ومقتل نفر من اليهود من لدن محمد مراح، أجج مشاعر الفرنسيين، حكاما ومحكومين، فأعلنوها حربا ضروسا مباشرة على المسلمين، الأميون منهم، كما دعاة الجهاد، كما أصحاب الفتاوى المتطرفة العابرة للحدود على حد سواء.
إن الذي يثير الانتباه حقا، ويؤكد من ذهبنا إليه من كونها حربا ضروسا، إنما ثلاثة معطيات جوهرية كبرى:
+ الأول أن ما قام به محمد مراح هو عمل فردي بامتياز، لربما أذكته نار بين أضلع الشخص، جراء ما يتعرض له المسلمون هنا وهناك، فأقدم على ما أقدم عليه. ولما كان الأمر كذلك، فلم أخذ المسلمين، كل المسلمين، بفرنسا كما بغيرها، بجريرة سلوك فردي، كائنة ما تكن آراء هذا أو ذاك بشأنه أو بشأن مسوغاته؟
ثم هي واقعة، واقعة تولوز، قد يكون أبطالها يهود أو مسيحيون، وقد يكون ضحاياها يهودا أو مسيحيين أو مسلمين، لكنها قد لا تثير كل هذه الكراهية التي ترتبت عن فعلة محمد مراح، اللهم إلا إذا سلمنا بأن في الأمر حسابات سياسية أو إيديولوجية أو ما سواها.
+ الثاني لأن الدكتور القرضاوي أدان عملية محمد مراح، من خلال بيان لاتحاد العلماء المسلمين الذي يرأسه، تماما كما أذان من ذي قبل استهداف الأطفال أو المدنيين أو القساوسة أو غيرهم.
صحيح أن الرجل لم يفـتأ ينادي، من خلال كتاباته وخطبه وكتبه، بضرورة الجهاد، واعتبار هذا الأخير فرضا على كل مسلم، لكنه لم يذهب لحد الإفتاء بالقتل (اللهم إلا في حالة معمر القذافي)، بل كان دائما يعطي الجهاد معنى من معاني رفع المظلمة، لا القتل على أساس الهوية أو الاختلاف العقدي أو الديني أو ما سوى ذلك.
لم إذن تحميل رجل معروف بالوسطية والاعتدال، تحميله عواقب وتبعات سلوك، لم يكتف فقط بإدانته في حينه، بل استنكره، هو الذي لم يتوان يوما في الدفع بالحوار بين الأديان، وله ضمن هذا الدين كما ذاك، صداقات وتقاطعات فكرية في الرأي والتصور؟
+ أما الثالث فلأن لفرنسا "تاريخ" قديم في توظيف الأحداث والوقائع التي يثوي خلفها عرب ومسلمون، لتحويلها إلى حروب حقيقية، ليس عليهم وعلى أوطانهم الأصل فحسب، بل وأيضا على الدين الإسلامي الذي يحملونه في قلوبهم وصدورهم، ولا يجدون غضاضة في التعبير عن ذلك، باللباس في الشارع العام، كما بالطقوس، كما بالمواقف.
بالتالي، فإن الركوب على حادثة محمد مراح، للتضييق على المسلمين بداخل فرنسا، والإشارة بالأصبع على الذين يدافعون عن الإسلام والمسلمين، إنما كان الغرض منه تبيان أن الإسلام (وليس المسلمين بالمحصلة) لا يقبل بالتسامح، ولا يتماهى أهله مع علمانية الدول حيث يوجدون، بل يدفع بالقتل والعنف، وليس له أو من بين ظهراني حامليه، فكرة تذكر عما هو التعايش والتسامح.
هذه المعطيات الثلاثة كافية لوحدها لتبرير منع الدكتور القرضاوي من دخول فرنسا، حتى وإن لم يكن للشخص يد مباشرة فيما جرى بتولوز، أو غير مباشرة في التحريض على أتباع هذا الدين أو ذاك.
لو أضفنا إلى ما سبق معطيان آخران لتوضحت الصورة أكثر:
+ المعطى الأول ويكمن في قوة اللوبي الصهيوني بفرنسا ومدى قدرته على توجيه القرار السياسي بهذه الجهة كما بتلك، لا بل والتشنيع بهذه الجهة كما بتلك إن هي شارت بالأصبع، مجرد الإشارة، إلى اليهود أو إلى إسرائيل، أو أبدت تعاطفا معهم كاملا، ظالمين كما مظلومين.
هو الحال تماما عندما تكون إسرائيل واليهود من خلفها ظالمين، بالاستيطان وبقتل الفلسطينيين، فما بالك بأحداث تولوز، وقد سقط من بني ملتهم ضحايا على يد عربي، ومسلم فضلا عن ذلك.
+ أما المعطى الثاني، فهو معطى الانتخابات الرئاسية الفرنسية لشهر ماي المقبل، ماي العام 2012.
لا يراهن مرشحو الانتخابات إياها على الجالية اليهودية وهي محدودة العدد بكل الأحوال، بل يراهنوا على نفوذها وسطوتها على السياسة والمال، وتجذرها في هياكل الأعمال والاقتصاد.
إنهم هنا إنما يجاملون أبناء ديانة محددة، لكنهم يجاملون من خلالها يمينا، ثم يمينا متطرفا، يكن العداء كل العداء للعرب وللمسلمين، أكانوا ضحية سلوك ما، أم "رواد" أحداث كأحداث تولوز.
ألم تطالب زعيمة اليمين المتطرف، في أعقاب هذه الحادثة، بحل اتحاد الجمعيات الإسلامية بفرنسا، ولكأن محمد مراح اأتمر بأمرها لتنفيذ ما قام على تنفيذه؟
* "منع القرضاوي بفرنسا"، 19 مارس 2012.