تختلف البرمجة في التلفزيون باختلاف طبيعة القنوات (عمومية أو خاصة)، وباختلاف مرجعيتها والأهداف المتوخاة من إقامتها أصلا.
ومع أن أسس وقواعد البرمجة هي ذاتها، فإن ثمة أوجه اختلاف بينة وجلية بين القنوات الجامعة والقنوات المتخصصة.
+ فالقناة الجامعة أو الشاملة، هي تلك التي تقوم على تقديم شبكة من البرامج، تتطلع من خلالها إلى إرضاء رغبات كل مكونات الجمهور، بتباين أعماره وأجياله ومستوياته الثقافية والتعليمية وما سوى ذلك.
ولما كانت هذه المكونات غير متجانسة، فإن شبكة البرامج المصاغة لها، ستجمع حتما مواد ومواضيع غير متجانسة أو متشابهة.
يقول دومينيك فولتون بهذا الخصوص: "إن البرمجة هي العائق الأكبر بالنسبة للقناة التلفزيونية الجامعة. فنسج شبكة برامجها يعني التفكير في توالي الجمهور الذي تستهدفه في النهار. وهو التفكير الذي يشكل رمز تميزها وانفرادها. فالبرمجة، في آخر المطاف، هي بطاقة هوية القناة التلفزيونية".
وعليه، فإن شبكة برامج القناة الجامعة إنما تشتغل وفق الشرائح الزمنية المحددة بطبيعة الجمهور: " ففي الساعة السابعة صباحا، تبدأ ببث الرسوم المتحركة الموجهة للأطفال، ثم البرامج التي يطلق عليها تسمية المنزلية، ثم برامج الألعاب، والأخبار في منتصف النهار، أو في الساعة الواحدة ظهرا، وبعدها تخصص هذه القناة برامجها إلى كبار المستهلكين (كبار السن، والنساء اللواتي لا يشتغلن خارج البيت)، ثم الرسوم المتحركة التي تواكب العودة من المدرسة، والألعاب والترفيه في الجزء الأول من السهرة، أي ما قبل زمن الذروة".
هذا الأخير هو الذي غالبا ما يكون رهان القناة الأكبر، لأنه يتطلب من القناة بذل جهد كبير لتقديم برنامج يكون بمقدوره جمع أكبر عدد ممكن من المشاهدين ومن مختلف الفئات، كي لا يتوزعوا على القنوات التلفزيونية المتخصصة.
ويتطلب منها أيضا صياغة برامج فيديرالية، بإمكانها أن تجمع حولها مختلف الشرائح الاجتماعية المكونة للجمهور. بالتالي، فإن بنية شبكة القنوات التلفزيونية الجامعة، لا تختلف كثيرا فيما بينها، اللهم إلا بزاوية تقديم هذه المادة على تلك، أو تأخير هذا البرنامج عن ذاك: برامج للأطفال والشباب، برامج إخبارية، برامج وثائقية، برامج اقتصادية واجتماعية وسياسية ورياضية...الخ. على أن معظم هذه القنوات لا تبرمج المواد الثقافية والمعرفية، إلا بوقت متأخر من السهرة، حيث لا رغبة للمعلنين في إدراج إشهاراتهم بهذا التوقيت، على اعتبار أن الجمهور نخبوي للغاية، ولا تستطيع تقنيات التسويق اختراقه بسهولة ويسر.
ليس ثمة من شك في أن للقنوات الجامعة دور أساس في تقوية اللحمة الاجتماعية والثقافية بداخل أي مجتمع، سيما بظل تزايد المشاهدة الفردانية، وتقدم منسوب البرامج المراهنة على السطحية والتبسيط. لكن مستقبلها يبقى رهينا بمدى قدرتها على مواجهة مد القنوات المتخصصة، ذات الإمكانات الكبيرة، والتي لا تتوانى في اقتطاع بعض من جمهورها.
بالآن ذاته، فهناك تحدي آخر يطرح بوجه هذه القنوات، وهو تحدي التفاعلية، وتزايد الوسائط المتعددة البث وغيرها. بالتالي، فالخشية على هذه القنوات تأتي من احتمال مواجهة القنوات المنافسة ببرامج شبيهة لها، وهو ما قد ينذر بتراجع البعد التربوي والثقافي والمعرفي، على الرغم من كونه لا يزال جزءا أصيلا من شبكتها البرامجية.
+ أما بخصوص برمجة القنوات المتخصصة، فليس صحيحا أن القنوات التلفزيونية المتخصصة أو الموضوعاتية، أتت لتكون امتدادا للقنوات الجامعة. على العكس من ذلك. فقد جاءت لتستقطب جمهور المشاهدين الذي لم يجد ضالته بالقنوات الجامعة، أو جراء إهمال هذه الأخيرة لرغبات محددة ودقيقة من لدن الجمهور، كقنوات الموسيقى أو السينما أو الصيد أو التراث أو ما سواها.
إن القنوات المتخصصة من هنا، لم تأت فقط كرد فعل على تقصير القنوات الجامعة، بل وأتت أيضا لاستقطاب زبائن محددين، مداومين، يحملون مواصفات تستهوي المعلنين، وتضمن بالتالي موارد مهمة للقناة، بصرف النظر عن مضمون ما يقدمونه آناء الليل وأطراف النهار.
ولما كانت هذه القنوات تراهن على فردانية الذوق والاستهلاك التلفزيوني، فإن البرمجة التي تتكئ عليها غالبا ما تستحضر المعطيات التالية:
+ المعطى الأول ويكمن في سلوك المشاهدة الفرداني الذي يعتمده جمهور القنوات المتخصصة. فهو يتابع برامج هذه الأخيرة، بحكم اهتمامه الخاص وحاجاته المحددة، ولا يتماهي كثيرا مع البرامج العامة والهلامية التي تعبر عنها القنوات الجامعة.
إن المشاهد التلفزيوني في القنوات المتخصصة "يتابع القناة لذاتها، أكثر من متابعة برنامج بعينه، بينما يتابع مشاهد القناة التلفزيونية الجامعة، برنامجا محددا أكثر من متابعة القناة".
+ المعطى الثاني: القنوات المتخصصة لا تخصص إلا النزر القليل من برامجها للمواد الجامعة. إنها تتوجه إلى جمهور محدد بخصائصه الثقافية، ومؤطر بمواصفات محددة، يبحث عن قنوات تقدم له مباشرة موضوعات تتماشى مع رغباته وحاجاته.
+ المعطى الثالث: ليس للقنوات المتخصصة جمهورها الخاص. إن ما قد يكون جمهورها الثابت، هو أيضا مكونا من مكونات جمهور التلفزيون بصورة عامة. ما تقوم به القنوات الخاصة هنا، إنما كونها تقرض جزءا من الجمهور الذي يتابع القنوات الجامعة: البرامج الرياضية، الأفلام، برامج التسلية والترفيه...الخ.
فجمهور القنوات الرياضية مثلا لا يتعامل إلا معها، وإن أراد مشاهدة برنامج ما، فإنه يفضل مشاهدته عبرها هي، لا عبر غيرها من القنوات.
+ المعطى الرابع: إن القنوات المتخصصة، بحكم ارتباطها لدرجة الارتهان، بالإعلان والإشهار، فهي تراهن في شبكة برامجها على نوعية ما تقدمه، حتى تحافظ على تعلق جمهورها به. لذلك، تراها تعتمد تقنية البرمجة العمودية، التي تقتضي جلب المشاهد وجذبه، لمتابعة ما تقدمه أطول مدة ممكنة، عكس البرمجة الأفقية التي تعتمدها القنوات الجامعة، والمرتكزة على التصور النقيض.
* "في البرمجة التلفزيونية الجامعة والمتخصصة"، 16 يناير 2012.