تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

فن البرمجة التلفزيونية

news-details

البرمجة ليست علما مضبوطا ولا دقيقا، بل هي فن يتطلب من القائم عليه والمسؤول عنه، أن يكون على دراية واسعة بالتحولات التكنولوجية والاجتماعية والثقافية، التي تطال المجتمع برمته، وكذا طبائع المكونات التي تتوجه إليها البرمجة داخل هذا المجتمع.

ويتطلب منه الاطلاع على الروافد النظرية والمفاهيمية التي هي بمثابة الإطار المرجعي، الذي من المفروض أن تتكئ عليه استراتيجية البرمجة. ويتطلب منه، فضلا عن ذلك، الإلمام بالتقنيات والفنيات، التي من المفروض أن يوظفها لترجمة هذه الاستراتيجية في الزمن والمكان.

البرمجة التلفزيونية لأية قناة ليست فقط نمطا، أو أسلوبا محددا في تنظيم وترتيب المواد التلفزيونية، ثم توزيعها على خانات زمنية عبر الشهر أو الأسبوع أو اليوم. إنها ذلك دون شك، لكنها أيضا الإطار العام الذي يجر من خلفه مضامين مادية ورمزية، وحمولات معرفية، ودلالات كبرى عن مرجعية القناة وهويتها وخطها التحريري:

+ البرمجة التلفزيونية هي أولا، تقنية في التخطيط حقيقية. وعليه، فإنها ترتيب لعدة برامج تلفزيونية، موزعة ضمن هيكل مبني، متناسق، متكامل ولا مجال من بين ظهرانيها للارتجالية أو الانطباعية أو الاعتبارات الذاتية.

+ والبرمجة فن في اللباقة ضمني، إحدى مقاصده الأساس ضمان التوازن في اختيار المواد وترتيب البرامج. بالتالي، فهي، وفق هذه الخاصية، "تنجم عن تقنيات التسويق التي تقدم للجمهور ما يريده، وتنبع في الوقت ذاته، من الإبداع الخلاق لجذب الجمهور من حيث لا يتوقع".

+ والبرمجة فعل تقني أيضا، يترجم الهوية التي تعتبر صلب القناة التلفزيونية، ويعبر عن الوظائف المراد تثبيتها، وكذلك الجمهور الذي يراهن على بلوغه في الزمن والمكان.

+ والبرمجة حمالة لرسالة، يتطلع أصحاب القناة إياها إلى بنائها وترويجها، وترسيخها  في مخيال الجمهور المستهدف، أو المراهن على بلوغه وإدراكه.

وعليه، فإن البرمجة هنا، باعتبارها فن التوازن، إنما تتطلع إلى مراعاة المعايير والمقاييس التي تستقطب الجمهور، وتدفعه للتعود عليها: ساعة بث برنامج تلفزيوني ما، نوع البرنامج، معده، مخرجه، ثم مقدمه.

+ البرمجة "ليست تكديسا بسيطا للمنتجات السمعية/البصرية المستقلة ذاتيا. إنها مجموعة متمفصلة من هذه المواد، التي تكتسب كل واحدة منها قيمتها عبر العلاقة التي تقيمها مع غيرها من المواد. إن فعل البرمجة إذن هو خلق منتج، يملك في مجمله، قيمة أعلى من قيمة العناصر التي تشكله".

+ ثم إن البرمجة يجب أن تحتكم إلى قاسم مشترك، أي إلى العنصر الجامع الذي تتحلق حوله الغالبية من المشاهدين. إن دورها دور توحيدي وفيديرالي، يعطي الشبكة تناسقية وانسيابية كبيرين.

هي كلها عناصر ومكونات لا بد من استحضارها، والارتكاز عليها لدى بناء وصياغة شبكة برامجية، سواء تعلق الأمر بالتلفزيونات الجامعة، أم تعداها إلى القنوات المتخصصة في هذا الصنف من البرامج أو ذاك.

بالتالي، فإن "البرمجة التلفزيونية والبرامج وجمهور التلفزيون والزمن، تشكل كلها العناصر الأساسية المتفاعلة، التي تعطي شرعية اقتصادية وثقافية وسياسية لكل قناة تلفزيونية". وكلها تخضع لمرجعية هذه القناة، تحتكم إلى هويتها، وترتكز على خطها التحريري.

وبناء عليه، فإن القائم على البرمجة لا يجب أن يكتفي باستحضار هذه العناصر، بل يجب أن يتمثل أيضا التحولات الكبرى التي طرأت على التلفزيون ذاته، باعتباره ليس فقط ناقل أخبار ووسيلة ترفيه، بل وسيلة إعلامية تخدم مسار الاتصال برمته، ثم انتقال دور هذا التلفزيون من أداة لترويج "ثقافة الرأي" إلى منطق تعويم "الثقافة الطافحة"، التي تستجيب في شكلها ومضمونها، لعناصر البساطة والتسلية والترفيه المبسط.

* "فن البرمجة التلفزيونية"، 2 يناير 2012.

يمكنكم مشاركة هذا المقال