تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

عن الانبهار بالتكنولوجيا

news-details

كلما ظهر للوجود مستجد تكنولوجي وشاع، إلا وأثار من حوله أو ترك من خلفه حالات من الانبهار، يقاس مداها بمدى ما يحمله من جديد، اكتشافا أوليا كان، أم تطويرا لذات الاكتشاف في القوة أو النجاعة أو السرعة.

وعلى الرغم من أن حالات الانبهار هاته غالبا ما تكون عابرة، عبور صدمة اللقاء الأول مع المستجد، فإنها تعكس في مدلولها ما يشبه الاستيلاب النفسي، الذي لا يمكن للمرء أن يتخلص من جاذبيته بسرعة.

هو أمر ثابت فيما سبق من مستجدات، في النقل أو الطب أو الفلك أو المعمار أو فنون الحرب، لكنه ثابت أيضا بالنظر إلى مستجدات تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال، القديم منها كما الجديد على حد سواء:

+ فقد انبهر الإنسان بمستجد الهاتف القار، ثم النقال من بعده، واستغرب عظمة هذه الأداة التي تنقل الصوت من الأقاصي إلى الأقاصي، متجاوزة جغرافيا المكان والزمان، ومتحدية التضاريس والحدود المادية، وإلى حد بعيد رقابة المكتوب والمباشر.

إن مدعاة الانبهار هنا، لا تتمثل فقط في ضغط الزمن والمكان الذي تولد عن هذا المستجد، بل ويتمثل أيضا في سعة الأفق الذي ترتب عن المستجد إياه، وجعله  لا يأبه كثيرا بهذا العائق أو ذاك، بهذا الاعتبار أو ذاك، حتى وإن كان سياسيا أو ذو طبيعة إيديولوجية صرفة.

+ وانبهر بالحاسوب بأجياله المختلفة، الضخم البدائي منه كما الصغير، لا بل ومتناهي الصغر، الذي جعل من المعلومات مادة لقواعد وبنوك البيانات والمعطيات، سهلة التخزين، هينة الاسترجاع، قابلة للتداول والتقاسم بين آلة معلوماتية وأخرى.

إن الانبهار، مع هذا المستجد، لم ينحصر في القدرة الفائقة للأداة المعلوماتية على تخزين وترتيب وإرسال أحجام ضخمة من المعطيات والبيانات، بل ويتعداه ليطاول قدرة ذات الأداة على حفظ أثر المستخدم بفضل برمجيات عالية الدقة، لا يفلت من عقالها لا الفرد ولا الجماعة.

+ وانبهر بالتلفزيون، ومن قبله بالإذاعة والسينما، فبقي ولا يزال مشدوها إلى جهاز ثابت، يقوم بتصريف الصوت والصورة، بالمباشر الحي أو بالمسجل، حتى ليبدو الأمر للمرء ولكأنه بإزاء حالة واقعية، يتنقل من بين ظهرانيها الأفراد والجماعات دونما وسيط افتراضي يذكر.

مدعاة الانبهار هنا لا تتحدد فقط بالقياس إلى الأداة، بل وإلى المادة المصورة والمتحركة، لا بل والمتفاعلة مع المتلقي، ولكأن الأمر حقيقة واقعة لا عملية مموسطة بالتقنيات والبرمجيات.

+ وانبهر فوق كل هذا وذاك، بوصول شبكة الإنترنيت بتموجات أجيالها وتطبيقاتها وقدرتها الفائقة على اختزال الصوت والصورة والمعطى في حامل واحد، حاسوبا، ثم تلفازا، ثم بالهاتف النقال في الوقت الحاضر.

إن السر في الانبهار بما حملته شبكة الإنترنيت لا يبدو لنا فقط في قدرتها على توحيد قطاعات كانت متنافرة إلى حين عهد قريب، ولا في نجاعتها في مزاوجة كل أشكال الكلمة والصوت والصوورة، بل وأيضا في قدرتها الفائقة على خلق واقع افتراضي يخال للمرء وهو من بين ظهرانيه، شبكة أو مدونات أو مواقع اجتماعية، ولكأنه حقا بإزاء حضور واقعي لا يختلف عن الملموس كثيرا اللهم إلا موسطة الأداة.

هي كلها حالات انبهار بالتكنولوجيا، أداة ومحتويات، لا بل قل بات الإنسان أمام هذه التكنولوجيا، ولكأنه بإزاء حالة مماهاة تامة، لا يستقيم حال هذا إلا باستقامة حال ذاك.

ومع أن الإنسان غالبا ما يشعر بهذا الانبهار مع كل مستجد يظهر، فإنه لا يتوانى في استئناسه ومحاولة تملكه في الشكل والمضمون. وهي حالة عادية وطبيعية. لكن الخشية كل الخشية هي أن يتحول الانبهار بالتكنولوجيا إلى استعباد واستيلاب، فيصبح الإنسان رهينة هذه التكنولوجيا في الحل كما في الترحال.

* "عن الانبهار بالتكنولوجيا"، 4 يونيو 2012.

يمكنكم مشاركة هذا المقال