في صبيحة 13 دجنبر الماضي، دجنبر العام 2012، توفي الشيخ عبد السلام ياسين المرشد العام لجماعة العدل والإحسان، توفي بصورة مفاجئة، جراء "نزلة برد بسيطة" ألمت به بغتة ولم تمهله كثيرا. لم يكن نبأ الوفاة مستبعدا بالسنين الأخيرة. فالرجل طاعن في السن، ولربما كان به مرض شأنه شأن باقي البشر في هذا العمر. وبكل الأحوال، فالموت باغته كما قد يباغت ما سواه من بني البشر، سواء أكان هذا البشر طاعنا في السن، مريضا، أم شابا بمقتبل العمر وبصحة جيدة.
لم يكن الموت، في حالة الشيخ ياسين، هو الذي أثارنا بقدر ما أثارنا الخبر المقتضب الذي مررت به وسائل الإعلام السمعية/البصرية العمومية لذات الخبر، وطريقة التعتيم التي انتهجتها مع الحدث يوم وقوعه، كما طيلة أطوار الجنازة، كما بإزاء ردود الفعل التي استتبعت الوفاة.
إن الأمر، بالنسبة لوكالة المغرب العربي الرسمية، كما بالنسبة للقناتين العموميتين، كما بالنسبة للإذاعة المركزية لم يتعد الإخبار بالوفاة، في جملة يتيمة، غاية في الاختصار، ودونما ترحم على الرجل، أو استحضار للدعاء المأثور "إنا لله وإنا إليه راجعون".
إن تعامل الإعلام العمومي مع حدث وفاة الشيخ عبد السلام ياسين لا يثير الخجل والحسرة فحسب، بل ويثير الاشمئزاز والتقزز أيضا:
+ فالرجل لم يكن شخصا نكرة، ولا كان من الذين عاشوا الحياة وانتقلوا للدار الآخرة في هدوء، بل كان له وزن ديني معتبر وحضور إعلامي قوي، ناهيك عن موقعه المتميز بالمشهد السياسي، والذي صكه بفضل كاريزميته البسيطة وقدرته على التأطير والتجنيد حول ما يؤمن به أو يعتبره التصور/الحق.
+ والرجل، بفكره كما بتنظيمه "السياسي المحظور"، لم يكن عنصرا سهلا يمكن التجاوز عليه أو عدم الانتباه لمواقفه، بل كان عنصرا عصيا بالمعادلة، لا يتوانى في الجهر برأيه أو التردد في الدفع بتصوره أو الدفاع عن مشروعه.
وعليه، فقد كان لمواقفه بإزاء نظام الحكم بالمغرب، كما بإزاء العديد من القضايا الرمزية الأخرى (إمارة المؤمنين، الديموقراطية، الأحزاب السياسية، التنظيمات الدينية وغيرها)، كان له بإزائها مواقف يضرب لها ألف حساب، حتى وهو في منزله محاصرا، وتنظيمه ممنوع من الممارسة على أرض الواقع.
+ ثم إن للرجل ماض لا يمكن إنكاره ومواقف، مع الحسن الثاني رحمه الله تحديدا، من الغبن تناسيها، لا سيما وقد عبر الرجل عنها في زمن كان الكل يخشى البطش، فيعمد إلى النفاق والمداهنة و"الدفع بالتي هي أحسن". كان يؤمن بأن الرجل هو الموقف، وعندما يصدر الموقف، يجب عليه أن يبدي الاستعداد لأداء الثمن دون تردد.
ليس لي معرفة شخصية بالشيخ ياسين رحمه الله، لكني قرأت له الكثير أعجبت بمنطق وموضوعية بعضها، ولم أستسغ بعضها الآخر، لا سيما "رؤاه الروحية" أو بعض "الفتاوى" التي نسبت إليه. لكني احترمت في الرجل صدقه وحبه لدينه، وقدرته الفائقة على جمع الناس من حوله، حتى بات تنظيمه من أقوى التنظيمات الجماهيرية على الإطلاق... أقول على الإطلاق في زمن موت السياسة وتراجع قيم الوطنية والمواطنة.
إن الذي يبهرني في شخص من طينة عبد السلام ياسين، ليس مشروعه أو فكره أو تشبته بما يؤمن به. إن الذي يبهر فيه حقا هو القدرة على جمع الناس حول فكرة وجعلهم يتبنونها، لا بل ويدافعون عنها أكثر من صاحبها. وهذا أمر لا يحسب إلا للكبار.
كيف إذن لإعلام عمومي أن يبخس رجلا من هذا الحجم قدره، ويكتفي بخبر مختزل حول وفاته، هو الذي امتلأت طرقات الرباط وشوارعها بالمشيعين والمرافقين، من مريديه كما من خصومه على حد سواء.
قد يتفهم المرء عدم حضور ممثل عن القصر، لا سيما و"جماعة" الرجل لا تزال تحت الحظر. وقد يتفهم بالتالي عدم تخصيص حيز من الزمن للحديث عن الرجل، لا سيما وهو الذي لا يعترف كثيرا بالنظام فما بالك بالمنظومة. لكنه من الصعب استساغة وسائل إعلام رسمية يمولها المواطن من ضرائبه، للتعتيم على حادث كحدث وفاة شيخ شهد له الناس بالزهد وكثرة التعبد وعدم الاكترات كثيرا بأمور الدنيا.
أزعم أن في الأمر تشفي واضح. وأزعم أيضا أن الإعلام العمومي بالمغرب دخل طورا جديدا في تاريخه...طور قتل الرمز حيا، كما ميتا على حد سواء.
رحم الله الشيخ عبد السلام ياسين.
* "تلفزيون التشفي"، 24 دجنبر 2012. هسبريس، 30 دجنبر 2012. جوجل المغرب، 30 دجنبر 2012. جريدة المساء، 8 يناير 2013.