تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الطيب لعلج الرائع

news-details

بأواسط هذا الشهر، شهر يناير من العام 2013، احتضن مسرح محمد الخامس بالرباط، حفلا ضخما إحياء لذكرى أربعينية المرحوم أحمد الطيب لعلج، حضرته عائلته ثم أصدقاؤه ومحبوه، إلى جانب حضور أميرة من القصر، ثم رئيس الحكومة وبعض من وزرائه.

ومع أن الحفل كان رسميا بامتياز، ولا يمكن للمرء أن يحضره إلا بدعوة من القصر، فقد كان حميميا ومؤثرا، وكان فضلا عن ذلك، صادقا في الرسالة الملكية التي تليت بالمناسبة، كما في الشهادات المختلفة التي قدمت في حق الراحل.

لم يكن الطيب لعلج رائدا في المسرح أو في الزجل أو في الفنون الشعبية أو في التمثيل فحسب، بل كان، إلى جانب ذلك، ملهم الأغنية المغربية بلا منازع، منذ ستينات القرن الماضي وإلى حين رحيله عن هذه الدنيا.

وأستطيع أن أزعم، أنا الذي ترعرعت على زجله الملحن وشعره المغنى، أنه ليس ثمة من الفنانين المغاربة الكبار، ملحنين ومغنين، من لم يتعامل مع ما كتبه الطيب لعلج. لا بل أستطيع أن أجزم أنه لولا الطيب لعلج لما كان للأغنية المغربية أن تنتشر بكل أرجاء العالم العربي، ويتغنى بها مطربو الجزائر ومصر ولبنان، وتروج كلماته الدارجة هنا وهناك، دون تكلف أو تصنع أو استعصاء.

ومع أن الرجل كان عصاميا، ولم يسبق له أن خبر أصول "الشعر المتعالي"، فقد استطاع أن يرسم طريقه لوحده، ويطوع الدارجة المغربية حتى باتت بزجله ومسرحياته، راقية وهادفة وحمالة لقيم الجمال والإبداع والفن الرفيع.

وعليه، فقد كان حفل الأربعينية حفلا لاستحضار كل ذلك، أعني لاستحضار عطاء رجل لم يمل ولم يكل، وبقي مدافعا، حتى آخر رمق فيه، عن الكلمة الجميلة والإحساس الرقيق والذوق الراقي.

ولهذا الاعتبار لم يحضر لهذا الحفل إلا الذين يدركون قيمة الرجل ويقدرون حجمه ويعترفون له بالموهبة والقدرة الفائقة على تطويع الحرفة، هو الذي بدأ نجارا بسيطا يشتغل على الخشب، فإذا به يتحول إلى فنان يتقن النقش على الورق، فيطرب ويزرع المتعة بين الناس.

كنت أمني النفس وأنا أحملق في وجوه الحاضرين بالأربعينية، أن يكون ضمنهم أحد من منظمي ومريدي مهرجان موازين، فلم أجد منهم أحدا. تفهمت حينها بقوة عظمة الرجل، هو الذي لم يتوانى في محاربة الرداءة والقبح الفني والميوعة الشعرية.

وتفهمت أكثر إصراري على أن يحضر أبنائي الثلاثة أربعينية الرجل، وأن يبقوا صامدين في مقاطعتهم لمهرجان موازين حيث يتبارى الرديئ والأردأ إلى ما لا نهاية.

رحم الله أحمد الطيب لعلج.

* "الطيب لعلج الرائع"، 21 يناير 2013. جريدة المساء، 6 فبراير 2013.

يمكنكم مشاركة هذا المقال