تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الإنترنيت والديموقراطية: الأبعاد النظرية وملامح التأثير

news-details

عادل عبد الصادق محمد، منشورات مختارات إيرانية، طهران، 2012، 24 ص.

بمقدمة هذا البحث، يعتقد الكاتب بأن الثورة التكنولوجية عامة والإنترنت خاصة، قد منح "طوق النجاة وبارقة الأمل فى تحفيز القيم الديمقراطية من جديد، وتنشيط عمل المؤسسات الديمقراطية، وكذلك التأثير فى طبيعة إجرءات العملية الديمقراطية. ويظهر ذلك من خلال الدور الجديد الذى تلعبه أدوات الرأى والتعبير عبر الإنترنت، والذى تتداخل وظيفيا مع الأدوات التكنولوجية والاتصالية الأخرى".

ويعتقد الكاتب أيضا أن ظهور شبكة الإنترنت كأداة للاتصال المختلف، قد أثر على طبيعة الاتصال بالجماهير، والرأي العام، والمشاركة السياسية، وتقديم أدوات وآليات جديدة فى العملية الانتخابية، وإدارتها بما يساعد على تحقيق النزاهة السياسية، وبما ينعكس على الشرعية السياسية". لا بل إنه يعتبر الإنترنت كيانا ديمقراطيا قائما بذاته، حيث انتشار حرية الرأي والتعبير، ومشاركة أي فرد فيه، بدون تفرقة بسبب الدين أو اللون أو الجنس، هذا "بالإضافة إلى فاعلية تلك الأداة بتميزها بأنها وسيلة إعلام غير تقليدية، رخيصة التكلفة، سريعة الانتشار، ومتعددة الوسائط الإعلامية من الصوت والصورة والنص والفيديو".

لقد أصبح الإنترنت، يتابع الكاتب، "وسيلة هامة فى مجال التعبير عن الذات وتبادل الأفكار ووجهات النظر، وفى استطلاعات الرأي العام، وتشكيل تصور شبه آني لاتجاهات الرأي حول الأحداث والتغيرات، من خلال مراجعة التعليقات التى تتبع الأخبار، والمساهمات والمدونات، إلى جانب التصويت الألكتروني وزوايا الحوار والمنتديات الالكترونية. ومثل الانترنت نقطة تحول كبيرة فى دور وسائل الإعلام فى رسم السياسات العامة، وتشكيل الاتجاهات والمواقف تجاه القضايا المختلفة، وتعزيز موقعها كوسيلة فعالة لمراقبة الأداء وكشف التجاوزات، وتوفير المعلومات عن الممارسات الخاطئة وتكريس مبدأ الشفافية وتفعيل دور المحاسبة".

 ويعد الإنترنت قناة جديدة ذات بعدين للاتصال، بحسب الكاتب، "حيث يعمل فى وظيفة دعم وتقوية الاتصالات بين المواطنين والمؤسسات الوسيطة، والتى تشمل الأحزاب السياسية والمجتمع المدنى والحركات الاجتماعية وجماعات المصالح ووسائل الإعلام".

كما عمل الإنترنت على إزالة الحواجز أمام مشاركة الفاعلين المهشمين فى عملية صنع السياسات العامة، والإدارة المدنية أمام العديد من الجماعات التى كانت بعيدة عن مجريات السياسة. وأدى إلى "انتشار القوة السياسية داخل المجتمع، ووفر أداة هامة أمام المواطنين لجمع المعلومات حول القضايا العامة، لتعبئة شبكات المجتمع خلفها، وجعل هناك شبكة متعددة حول كيفية وضع حلول ملائمة لتلك المشكلات التى تعترض المواطن العادي فى حياته اليومية، والتى يتم نقلها فى المدونات والصحافة الالكترونية والمواقع الاجتماعية العامة، والتى تشكل جماعة ضغط تدافع عن هذه الحلول، عبر أنظمة التصويت الألكتروني أو عدد أعضاء تلك المجموعات وجمع التوقيعات والأعضاء فى المجموعات البريدية، بالإضافة إلى استغلال ما يتيحه الإنترنت من وسائط إعلامية فى نقل الحدث أو القضية نصا وصورة وصوت وفيديو عبر الانترنت، للمساهمة فى تغيير الأفكار وتعبئة الرأي العام، والضغط على صانعى القرار، أو معالجة سلبيات داخل المجتمع للعمل على إيجاد نوع من الشفافية ومواجهه الفساد".

إن الإنترنيت، يقول الكاتب، قد فسح في المجال واسعا لخلق ديمقراطية مباشرة، مثل التصويت الألكتروني حول القضايا العامة أو في الانتخابات، بما يساعد على دعم محاسبة الحكومة، مثل دعم وتنشيط شبكات المجتمع والمناطق النائية أو البعيدة، وفى كل تلك الطرق يعرض الإنترنت لأعادة الاتصال بالناس بالعملية السياسية، وتحفيز خروج الطاقات المدنية والعمل الأهلي.

كما إن قدرة المعارض "على إتاحة الفرصة لكافة الثقافات والتيارات والهويات والعرقيات المختلفة، للتعبير عن نفسها من شأنه أن يعزز من قيمة الاختلاف داخل المجتمع الدولي، ويدفع من قيمة الحوار والسلام، وظهور دبلوماسية افتراضية جديدة تلعب بها الشعوب دورا أساسيا للتفاعل فيما بينها".

بالمقابل، يلاحظ الكاتب بأنه على الرغم من قدرة الإنترنت على إثارة النقاش العام حول العديد من القضايا، إلا أنه "فشل فى إيجاد طابع، أو إطار مؤسسي يدافع عن هذه المصالح، كالدور الذى يمكن أن تقوم به الأحزاب السياسية، وجماعات المصالح التقليدية، ووسائل الإعلام. كما أن الفضاء الألكتروني يمكن أن يخضع لسيطرة شركات عالمية، بما يمكن أن يساعد فى التأثير على الرأي العام العالمي، ويتم التركيز على قضايا انتقائية لا تعبر بوضوح عن القضايا الفعلية التى يعيشها المواطن على أرض الواقع".

كما أن الأشكال الجديدة للتجمعات الافتراضية عبر المواقع الاجتماعية، "يمكن أن تؤدي إلى تقويض التفاعل الفعلي المباشر، والذى يكون له دور فى بناء الثقة، وذلك على الرغم من أن الإنترنت يدعم الأشكال التقليدية للاتصال، ويظهر إمكانية الخوف من الوقوع تحت سيطرة أقلية، يحاولون أن يفرضوا أجندتهم ورؤيتهم الخاصة، التى قد لا تعبر عن مواقف الرأي العام، ولا تمتلك فقط سوى القدرة الإعلامية العالية عبر الإنترنت، ودون أن يتم تغيير الأفكار بطرق ديمقراطية. كما أن المعلومات السياسية التى يتم عرضها على الإنترنت، قد لا تعبر عن معظم اتجاهات الناس، وقد تتعرض للتشويش والتزييف ونشر الشائعات".

بالتالي فعلى الرغم من أن الإنترنت أداة من أدوات دعم عمليات التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي، فإنه يمكن كذلك أن يتحول إلى أداة فى أيدي معاديي الديمقراطية من أجل فرض المزيد من الرقابة على المعارضين، وانتهاك الخصوصية وحرية الرأي والتعبير، حيث يتم استغلال الحرية التى يوفرها الإنترنت للمعارضين من أجل القيام بالمزيد من الاعتقالات. كما أن من يستفيد من الإنترنت هم النخبة فقط، ومن ثم فإن ما يتم عرضه لا يعبر عن الجماعات الفقيرة المهمشة، التى لا تملك فرص الوصول للإنترنت".

من هنا، يرى الكاتب بأن دور الإنترنت فى دعم الديمقراطية محدود للغاية، كما أن "بعض النظم السلطوية... تستخدم الإنترنت كأداة للدعاية، وإفساح المجال بشكل أكبر لوجهة النظر الرسمية فى مقابل الفرص المتاحة للأصوات المعارضة".

كما أن النظم السياسية غالبا ما تستخدم الإنترنت كأداة للتعبئة والتأثير فى الرأي العام، وكذلك استغلال الروابط التى تنشأ من خلال الإنترنت بين النظم السياسية القائمة وغيرها فى الخارج أو مع الشركات الكبرى العاملة فى تكنولوجيا الاتصال والمعلومات، "بما يأتي على حساب المعارضين لتلك النظم أو مستويات الحرية السياسية بها. وقد تستخدم النظم السياسية الإنترنت لتقوية التحالف والاتصال مع الدول الحليفة الدكتاتورية".

ومهما يكن من أمر، يلاحظ الكاتب، فإن الإنترنيت يقدم دعما كبيرا للديموقراطية، لكن ذلك يبقى متوقفا على "قدرة الحكومات والمجتمع المدنى لاستغلال الفرص التى تتيحها القنوات الجديدة للمعلومات والاتصالات، لدعم قلب المؤسسات التمثيلية التي تصل ما بين الدولة والمواطن، ومن هذا المنطلق تصبح فرص المشاركة العامة والإدارة المدنية، تتم من خلال التكنولوجيا الجديدة ويتم توفير المعلومات من خلالها التي تدعم الشفافية والانفتاح والمحاسبة للهيئات الحكومية، على المستوى الوطني والدولي، وكذلك تقوية قنوات التفاعل بين المؤسسات الوسيطة والمواطنين".

* "الإنترنيت والديموقراطية"، عادل عبد الصادق محمد، نافذة "قرأت لكم"، 7 مارس 2013.

يمكنكم مشاركة هذا المقال